الخميس، 10 يناير 2019

مقالات:المسيرة رسالة واحدة.. وفي انتظار البقية

لم أنظر الي مسيرة الأمس التي نظمتها قوى الحوار الوطني باسم (مسيرة النصرة) وخاطبها السيد رئيس الجمهورية كما نظر إليها كثيرون من منظميها ومعارضيها، فهي عندي ذات رسالة واحدة فقط، وهي رسالة للخارج أكثر منها للداخل، أن الحكومة ليست معزولة، وأن الذين لا يزالون يراهنون عليها أكثر من الذين ينتظرون يوم نعيها، وتشييعها إلى مثواها الأخير، على المتظاهرين، ولا إجابة لمطالبهم، ويؤسفني أن بعض مناصري الحكومة اعتبروها كذلك، وهم بذلك يهزمون الفكرة، ويخرجون كثيرا من الأشياء عن سياقها الطبيعي.

ولقد حرصت على تأجيل هذا المقال الى ما بعد قيام المسيرة، حتى لا يتهمني الذين ينصبون أنفسهم قضاة، رغم أني لا أخشى أحكامهم، ولا أجد منهم من يزايدني على موقف أو رأي، وأحمد الله أني ظللت أصدح بالحق منذ عام الإنقاذ الأول عندما كان كثيرون أسرى لنشوة السلطة والمال، ولقد عانيت في ذلك ما عانيت، من تجريم، واعتقال، ومصادرة، وغيره من الابتلاءات، ومع ذلك لم أغير انتمائي للنظام، الذي أري فيه مشروع حياتنا، وهو مشروع قد أمضينا نحو نصف قرن من الزمان في سبيله، فكيف يمكن ان نتخلى عنه، أو نخذل دولة قامت لأجله؟، ولئن كان أخواننا الذين تصدوا لقيادة حكومة المشروع قد جانبوا الصواب في بعض اجتهاداتهم، فلهم أجر الاجتهاد، ولهم علينا حق النصح، وهذا ما نفعله الآن حيال تعاملهم مع الأزمة الراهنة.

أختلف أولاً مع الذين يعلُّون في هذه الأزمة من دور القوى المتمردة، والانتهازيين الذين يسعون لاستغلال الموقف من أجل تحقيق أجندة خاصة، فهؤلاء مهما علا صوتهم، فهم على هامش الأحداث، ولكن الأصل عندي هم الذين خرجوا تعبيرا عن أزمة حقيقية في المعاش، اعترف كل المسؤولين بوجودها، وهذا هو مقام النصرة المطلوب في هذا اليوم. ولا أود أن أكون مثل صاحب (العنبلوق) الذي صار يربط كل الأحداث به، ولكن الشئ بالشئ يذكر، فالأزمة اليوم لها شقان سياسي واقتصادي، وكلاهما يرتبط بالآخر، ولا تتحقق المعالجة الشاملة بجزء واحد دون الآخر، ولو بدأنا بالجانب الإقتصادي فإن له حلول عاجلة، وحلول إستراتيجية بعيدة المدى، مثل التي بشر بها رئيس مجلس الوزراء القومي الأخ معتز موسى، رغم بعض التحفظات على مواقيت بعضها، مثل شهر مارس الذي حدده أجلا لنهاية أزمة السيولة النقدية، ولكن الحل العاجل طريقه واحد لا ثاني له، وهو أن يضع الأثرياء من شركاء المشروع الحضاري بعض ما أكرمهم الله به من مال لنصرة هذا المشروع، ومثل هؤلاء ليس مطلوبا منهم تغبير أرجلهم في سبيل الله، ولا شق حناجرهم بالهتاف  (لا ولاء لغير الله) فثروتهم وحدها من بعد فضل الله تعالى تنتصر لدولة السودان التي تسعى لإعلاء كلمة الله، ولذلك أصر وأتمسك بدعوتي القديمة، وأجدد الدعوة في هذه المناسبة، وكل مناسبة لأثرياء الحركة الإسلامية للتبرع ببعض ثروتهم لدعم خزينة الدولة التي تعاني من ُشح السيولة التي صارت في خزائن المنازل أكثر من المصارف، بما في ذلك بنك السودان المركزي، وأكثر هذه المنازل التي تكتنز الذهب والفضة والعملات الأجنبية والمحلية خاصة باسلاميين من أهل المشروع الحضاري، ولما لم يفعلوها من تلقاء أنفسهم، نرد الدعوة كما رددناها من قبل للسيد رئيس الجمهورية، ولئن كان هذا الأمر في وقت سابق مطلوب من باب الإحتراز، وقد يكون من النوافل، لكنه اليوم صار واجبا ولازماً.

أما بالنسبة للجانب السياسي، فرغم ما أنجز في ذلك وهو عظيم، ابتداء من اتفاقات السلام والتوافق الأولي، سواء التي لا تزال تسعى وتؤتي أكلها مثل اتفاقية القاهرة بقيادة مولانا السيد محمد عثمان الميرغني، أو التي انقطعت مثل اتفاقية جيبوتي بقيادة السيد الصادق المهدي، أو غيرها مثل اتفاق الدوحة، واتفاقية الشرق، حتى مؤتمر الحوار الوطني الأخير الذي جمع فأوعى، ولكن تظل هناك خطوات مهمة لا بد أن تقودها الحكومة، ويقع العبء الأكبر في ذلك علي السيد رئيس الجمهورية سعادة المشير عمر حسن أحمد البشير، ونائبيه الكومندان الفريق أول ركن بكري حسن صالح، والسلطان الدكتور عثمان محمد يوسف كبر، ونائبه في الحزب الدكتور فيصل حسن إبراهيم، وكلهم جديرون بذلك، وقادرون عليه بإذن الله تعالى.