مقالات:القدوة..دائرة التاريخ ..والوطن..
منذ ولادة الانسان في هذه الدنيا وحتى رحيله عنها تظل القدوة هي أبرز موجهاته الشخصية للتعامل مع الناس والأحداث ..وتظل حركة الدوران الحياتي حول القدوة من لحظة الميلاد ليتعلم الحركات الكفيلة بأبقائه على قيد الحياة وقيد التعلم البدائي المتطور ..مرحلة تلو مرحلة حتى يصبح هو نفسه في إطار مراحله الحياتية قدوة لآخرين ..ولذلك ورد في الأثر النبوي أن الانسان يولد على الفطرة وأبواه هما من يحددان مستقبله العقدي والديني ..بالقدوة ..وفي تعامل الإنسان مع قدوته هناك مدارس شتى ..فمنهم من يسعى للحفاظ على شخصية القدوة في داخله كما هي ..بكامل القدسية ولا يقبل إلى ذلك التعامل مع أى خدش قد يصيبها مهما كانت مصداقيته وواقعيته ..وبعضهم يعيش حالة من الازدواجية إزاء قدوته فيحرص على ترسيخ صورة مفخمة لها لدى الآخرين ..مفخخة بداخله ..ويقبل هذا التناقض بعقله الباطن ويتعاطي معه ..وآخر تصيبه عقدة القدوة فما يفتأ يدور في فلكها ..ناقماً ساخطاً ..يحط من قدر أستاذه أو والده أو قدوته التي شكلت معالم شخصيته ..
وهي أشبه ما تكون بعقدة النقص ..وهي مرحلة قريبة نسبياً من أخرى يحاول بطلها أن يدمر قدوته ما استطاع إلى ذلك سبيلاً ..فتجده في هذا اللهاث المحموم قدوة لآخرين ..شكلوا طيفاً من المجتمع لا يستهان به ..فتناسل عندهم الحقد المجتمعي وتطور لأجيال لم تعد تأبه لأسبابه التي لا تعلمها ..فتولدت تبعاً لذلك طبقات (بينية) متراكمة ضعفت لديها روح القطيع ولم تعد آمنة في سربها النفسي تجاه قضايا الوطن والعرق والنوع ..ناهيك عن روابطها الأخلاقية التي تحتم تقديم تنازلات شخصية في الحريات لصالح المجتمع ..هذا النوع (المتناسل) من البشر ليست لديه أية نزعة أخلاقية للتعاطي المتعاطف مع قضايا الآخر التي تعني في تعريفها المباشر ( الإنسانية) ..
وهذا التعريف يمثل الإطار العام لحياة البشر وتقاطعاتهم بجانب إطار الدين الذي هو بالتأكيد يندرج تحت لافتتها وليس العكس ..(الناس إما اخوان لك في الإسلام ..أو نظراء لك في الإنسانية) كما أخبر النبي محمد صلى لله عليه وسلم ..وبذلك تتحقق معادلة التعاطي المتوازن مع الآخر لتنتهي حريتك حيث تبدأ حريته ..ولتقدمان معا التنازلات اللازمة لبناء المجتمع ...
والقدوة الوطنية في حدها الأدنى هي القدرة على استلهام هذه القيمة من مواقف السلف السياسي والاجتماعي الكبيرة وليس من تفاصيل الحياة التي تقود لمتاهات التحدي الشخصي للبقاء حياً ...ما يقودنا للبحث عن القدوة في كل المواقف والأفكار والموجهات والمواجهات التي تتحكم في اتجاهات الرياح الوطنية فوق ثرى السودان ووجدان شعبه الجمعي ..لنبحث عن القدوة لدى القادة الكبار ..ما كانت وكيف تسير...وأي نوع من أنواع المتعاملين مع القدوة هو كل واحد منهم ..علنا نجد الطريق لفك شفرة التعقيدات المتجددة في ملف الدولة السودانية ..
وحركات التمرد المعلن و الخفي عليها في مختلف العهود ..ربما سنجد أغلبهم من النوع المضطرب الساعي لتدمير قدوته لدواعي التطور والمواكبة.. فالبصق على التاريخ وإشباع الكبرياء لتجاوز عقدة الأستاذية مستحكمة في حركاتهم وسكناتهم..
رجاءً ابعدوا الوطن عن هذه الدائرة تحت لافتة الخوف من المستقبل يوجب إحكام التدبير في الحاضر...