الأربعاء، 23 يناير 2019

مقالات:الحكومة والمعارضة .. الفرصة لا تزال قائمة

لقد كتبت في مقال سابق أن كثيرين من أولياء الحكومة، وأكثر منهم من أهل المعارضة يعيشون على الأوهام، فأكثر المعارضين يظنون أن هذه المظاهرات التي انطلقت قبل نحو شهر تقريباً من مدينة عطبرة عاصمة الحديد والنار، هي التي سوف تأتي بخبر الحكومة، وتكون النهاية على يديها، ذلك علي الرغم من أن أحزاب المعارضة لم يكن لها دور يذكر، لا في تحريك هذه المظاهرات، ولا في توجيهها، وفي ذات الوقت فإن كثيرين من منسوبي الحكومة لا يعيرون هذه المظاهرات أي إهتمام.

لا أزعم أني أعرف تفاصيل عن تحريك هذه المظاهرات، ولا أغالط فيما تذكره الأجهزة الأمنية من وجود لقوى خفية تقوم بأعمال تخريبية، لكنني أكاد أجزم ببعض الحقائق التي تجلت بشكل واضح، أولها أن قوى الأحزاب التقليدية المعارضة،  ليس لها أي دور في هذه المظاهرات، وبصرف النظر في الرأي في  العبارات التي استخدمها، ولم تكن مقبولة لدى البعض، فإن وصف السيد الصادق المهدي لهذه الأحداث هو الأقوى تعبيراً عنها، وهو الذي يؤكد بعدهم منها، وأعني مثالي (دخان المرقة) و (وجع الولادة) والحقيقة الثانية أن هناك قوى حديثة منظمة تعمل على تحريك الأحداث، ويظهر هذا في الأدب الذي انتشر مصاحباً  لتلك الأحداث، فهو لم يكن عفوياً ، وانما  كان مصنوعاً بعناية، والحقيقة الثالثة والصادمة، هي أن كثيرين جداً  من أبناء المسؤولين والسياسيين، والحاكمين يشاركون في هذه المظاهرات، ولقد تم اعتقال كثيرين منهم، وهذا ما وصفه أحد الزملاء بأنه (مفاصلة جيلية) وهو تعبير استحسنه الأخ الدكتور عبدالرحمن الخضر، واستحسنته معه.
وفي تقديري الخاص لما يجري من أحداث أن هذه المظاهرات مهما طالت واستطالت فلن تسقط الحكومة، ولكنها تنهكها، وتهد من قوى الوطن، وترهق أهله جميعاً، عوامهم، وخواصهم، الحاكمين منهم والمحكومين، المؤيدين والمعارضين، ومن هنا تأتي الحاجة الملحة للبحث عن طريق ثالث بين، (تسقط بس) و (تقعد بس) وهذا الأمر لا يحتاج إلى طرف خارجي، فقط يحتاج الى مواجهة شجاعة للأحداث.
وأحسب أن الدور الأكبر والأهم، مطلوب من الحكومة، فمطلوب منها أولاً معالجة الأزمة الإقتصادية التي كانت سبباً  في الخروج العفوي الأول للمتظاهرين، ولا ننكر على الحكومة الجهود التي تقوم بها في هذا الصدد، ولكن كثير منها يحتاج إلى مراجعة، وفي مقدمة ذلك السياسات النقدية، ومحاولات توجيه الدعم إلى مستحقيه بصورة مباشرة، وكذلك مسألة الدولار الجمركي التي قال كثيرون من الاقتصاديين أنها كانت سبباً مباشراً  في انفلات الأسعار في الأسواق. ومطلوب من الحكومة كذلك مراجعة كل الذين يتولون مواقع في الدولة، فلقد ظهر عجز كثيرين من المسؤولين التنفيذيين على مستوى المركز والولايات، فهؤلاء يجب تغييرهم فوراً، دون النظر لأي اعتبارات أخرى، ثم تأتي بعد ذلك المعالجات السياسية. وفي المعالجة السياسية يجب أن يتواضع الجميع على حلول موضوعية، ولا أود أن أكون مثل الذين يعتقدون أنهم يمتلكون حلولاً  سحرية لمجرد إنهم أمسوا بالقلم، وصاروا يكتبون، فلا أحد يمتلك الحل الشامل وحده دون الآخرين، فنصف رأي أي انسان عند أخيه، ونصف رأي المعارضة عند الحكومة، ونصف رأي الحكومة عند المعارضة، ولقد حان الأوان لتجاوز الرهان على فرضيات واهمة، والمجهول غير معروف، والكل يخشى المصير المجهول، وكلما طال أمد هذا الوضع اقتربنا من المجهول، ولذلك يجب اقتناص الفرصة قبل فوات الأوان، ويجب أن يكون للشباب دور بارز في ذلك، وأن يكون دوراً حقيقياً، لا مثل الأدوار المختزلة التي يحاول البعض أن يخدع بها الناس، بما يطلق عليه منابر الحوار الشبابي، فهي منابر ليست حرة، وشبابها ليسوا أحرار.