مقالات: ملامح من تاريخ أبوحمد قديما وحديثا(3)
أواصل في هذه الحلقة الجديدة سرد مقتطفات أو ملامح من تاريخ منطقة أبوحمد التي وردت في كتاب( أبوحمد بين الأمس واليوم) الذي قام بتأليفه بمهنية عالية واحترافية معهودة في المعلمين الأستاذ هاشم اليمني الذي مزج في أسلوبه الذي اتبعه في تأليف الكتاب بين السرد التاريخي المحض للمنطقة والنبرة العاطفية الظاهرة بحكم انتمائه وحبه لأبوحمد إذ شحن الفصل الذي يحمل عنوان( محطات مضيئة في تاريخ أبوحمد) بشجن ممتع وسكب فيه عبارات حنينة قارن عبرها ما كانت عليه الحياة في السابق ومظاهر التغيرات المتسارعة التي حدثت في أبوحمد حتى الآن.
وكتب مؤلف الكتاب كلمات إنشائية في هذا الفصل جاء فيها( وحياتنا في أبوحمد تذخر بمحطات كثيرة في الأمكنة والأزمنة ، وفي علاقات متعددة وحوادث عدة، منها ماهو طبيعي ومنها ماهو فريد ومنها ما تكفهر له الوجوه عندما يعود المرء بذاكرته إلى أيام الطفولة ومرتع صباه ، يرى نصب عينيه الحي الذي عرفه طفلا والشوارع التي ترعرع فيها يافعا ومراهقا، وما أراه الآن ماثلا أمام ناظري يختلف اختلافا كبيرا ، فقد كانت الرمال تهدد المنازل والشوارع ، ووسيلة المواصلات الوحيدة هي عربات الدواب والكارو، وقلة قليلة من العربات اللاندروفر وأهمها عربة عبدالله بابكر وعربة الكومر عند الحلفاويين إضافة إلى كومر المستشفى وعربة فضل المولى ، وما زالت بعض المشاهد الجميلة ماثلة في ذهني عندما نذهب لنستحم في النهر ونستمتع بالطبيعة الخلابة الآسرة والنيل ونربط الصابونة في أعناقنا ونثقبها في وسطها حتى لا تضيع منا في الماء، ومن بعيد نرى البنطون وهو يمخر عباب البحر في مشروع العجوة ، ونجد أن مراكب الدوم الصغيرة ( مصنوعة من شجر الدوم) قد اصطفت وهي تجلب لأبوحمد الخضروات القادمة من كجي والجزر ، وكذلك البرسيم ليباع في السوق ، وهؤلاء القادمون يأتون مبكرين وفي بعض الأحيان يأتون عند الظهر).
وتحدث ايضا عن بعض التراثيات في ألعاب الأطفال قديما فيقول:( أما الصبية فإنهم يتجمهرون للعب «بالطاب» وهو جريد النخل الرطب ، واللعب بالطاب له جماهيره الذين يصطفون لساعات طوال وفيه متعة أيما متعة، وما زلت أذكر الأخبار الحزينة والوجوه المكفهرة بعد أخبار نكسة 1967 م ووفاة جمال عبدالناصر ومظاهرات الغضب والحزن الرافض) وواصل في السرد الجميل لأحداث معبقة( وفي الجزيرة[ برتكول] نجد أن الطبيعة ساحرة والحياة صاهلة والاستمتاع بكل ماهو متاح من حش القش والسقاية من الوابور وأكثر ما يلفت النظر غسل الملابس عند حجر البحر وجلب الماء بواسطة الصفائح عند النساء ، والبعض يصطاد السمك بالسنارة ويحصل كل هذا وسط متعة وفرحة طاردة للسأم والحزن).
وفي مرحلة زمنية تالية يقول المؤلف( وبدأت ملامح التغيير في الشوارع وبحمد الله كانت الرمال وقتها تمثل هاجسا كبيرا نتيجة الزحف الصحراوي ، وكنا في دار الرياضة نبني الحائط اليوم ، وفي اليوم التالي نجده يسقط بفعل الرمال واضطررنا لتقسيم دار الرياضة وعمل حزام واق من الحيط وبالرغم من ذلك نبني فتهدمها الرياح فلا نضج ولا نثور ، ومن سخرية الأقدار أن حفرنا بئرا في دار الرياضة وعند نهاية الحفر واستلام البئر جاءت عاصفة رملية ودفنتها ، والمتأمل لدار الرياضة اليوم يرى العجب، فقد زالت تكلم الرمال بفضل المباني والمشارع الزراعية.
وبخصوص بعض الجوانب الصحية والأمراض التي كانت سائدة في المنطقة يبين الكاتب ذلك( ومن الأشياء التي اندثرت « عمى الأنهار» والذي تسببه حشرة ( الكنتيب) ، واشتهر المرض واقترن بشخصية الدكتور محمود أحمد الرشيد والملقب ب( محمود كنتيب) ، والذي بذل جهدا مضنيا ومقدرا في هذا المجال ، واشتهر أيضا بتعامله الراقي في زمن كانت فيه أبوحمد بلدة بسيطة قليلة السكان، رحمه الله رحمة واسعة بقدر ما أعطى وقدم لهذه المدينة).
ويواصل في هذا المنحى( وبالنسبة لمستشفى أبوحمد كانت الرمال أيضا تمثل عائقا كبيرا في نهضتها ، ولكن وبحمد الله قد لبست الآن ثوبا قشيبا وتطورت بنياتها الأساسية ، ويعد عنبر الكلى إضافة حقيقية لخدمات المواطنين الذين يعانون كثيرل بالإضافة إلى المجالات الأخرى في العيادات الخارجية ، وفي إيجاد الكوادر والأدوية المنقذة للحياة ، وفي المسعى الدؤوب لتكون مستشفى أبوحمد تليق بكرامة وعزة هذا البلد في هذا المرفق الخدمي الهام وفي كافة المجالات).
وفي جانب آخر حول ذكرياته في هذه المدينة ( وما زلنا عزيزي القارئ في رحلتنا عبر التاريخ عن أبوحمد القديمة ، فأقول إن فيضان النيل في عام 1946 م قد اجتاح مدينة أبوحمد الحالية وأغرقها تماما إلا دكان حسن عثمان القابع حتى الآن وتظلله من الناحية الأمامية أشجار النيم والتي يجلس تحتها الباعة ، وإن الخور الخور الحالي كان خال تماما من أي مباني وكانت هنالك فقط حلة العشش وسميت كذلك من واقع العشش التي كانت بها فجرفها فيضات النيل العظيم عام 1946 م ، وعندما أفاقت أبوحمد من هذه الكارثة فطن الإنجليز وعملوا خنزيرة كبيرة دائر ما يدور وهي عبارة عن جسر من الحجارة والأسمنت طويل جدا ليكون صادا للمياه عندما تصطدم به، ليأتي دور الكبري في تصريف المياه إلى النهر، والآن الكبري قد تهدم بفعل فاعل أو بفعل الزمن والخور صار مليئا بالمنشآت والتي كانت محرمة وممنوعة أصلا ، وزي ما بقولوا أهلنا القدامى ( الخور ما بخلي محلو) تماما مثل كلامهم ( السيل لا يفارق دربه) - والأخيرة من عندي- ، ومن الملاحظات في السوق القديم أن الإنجليز قد قاموا بعمل كبير ومنظم ألا وهو كثرة ( الحمامات) في وسط السوق وعند مدخل مربع (2) بالقرب من منزل الشيخ خالد إدريس ، وأقول هذا الحديث العام والهام لعقد مقارنة لأبوحمد بيم الأمس واليوم ، علما بأن أبوحمد في ذلك الوقت كانت تستقبل في اليوم الواحد عددا من القطارات وبها آلاف المسافرين وكلهم يقضون حاجتهم بانتظام ، ويأتي تراكتر الحاج حمدون حمدان وهو بقاري أتى لأبوحمد في وقت مبكر وهو يحافظ على التراكتر وأداء عمله بكفاءة واقتدار ، وعمل هذا التراكتر عشرات السنين ولم يتوقف أبدا ، ويعمل في الصباح في إزالة الأوساخ المعدة لها أماكن مخصصة وبراميل مكتوب عليها، وفي المساء يسهر لدفن أوساخ الحمامات في الخلاء إلى أن انتهت خدماته في الثمانينات ، وذكر لي الأخ محمد خالد إدريس أنه حي يرزق ، فقد سجل سيرة ناصعة ومسيرة خالدة كمثال لأناس خدموا أبوحمد في فترة معينة).
وتحدث كذلك ( وأما في مجال التشجير والجمال ، فالسكة حديد والمحطة بالذات بها حدائق وزهور على امتداد المحطة ، والأغنام معدومة في الطرقات ولم تحتاج لأمر محلي، ونقول بكل صراحة، هل يعود ذا الزمن؟ ، حتما سيعود ، وماهذا ببعيد في الوقت الحاضر) و( كانت استراحة أبوحمد {فندق النيل الحالي} ، آية في الجمال والبهاء والعمران ومطلة على النيل والحزر، فكانت مأوى للضيوف الكبار ومجهزة لاستقبالهم وراحتهم، وهي مكان مجهز لاستقبال زيارات المسؤولين ( المسؤولون في الطابق الأعلى والموظفون في الفناء الواسع بالاستراحة، وما كانت محتاجة لصيوانات أو كبير تجهيزات ، ومن أشهر الرؤساء الذين نزلوا بها الرئيس جعفر محمد نميري)، فهذه محطات مضيئة في تاريخ أبوحمد يجب معرفتها، وإلى حلقة أخرى بإذن الله تعالى.