مقالات:السودان.. مواقف ليست للبيع
كثيراً ما أشرت في مقالات عدة إلى سوء فهم كثيرين لمواقف السودان الخارجية في عهد هذه الحكومة، وحكومات قبلها، ولا يقف الأمر عند عوام الناس وحدهم، ولا عند أهل دول أخري تربطنا معها أواصر عدة، ولكن حتى أنصار الحكومة يتداخل عليهم الفهم، وكنت أكتفي بإشارات كنت أراها كافية لتوضيح الموقف، إلا أن ما تداوله الناس عن التحيات التي بعث بها الرئيس البشير إلى بعض الدول في الساحة الخضراء شرق العاصمة القومية الخرطوم، وفي ميدان الشهيد السحيني في نيالا البحير، واستغرابهم لانتقاء دول دون أخرى، وتخوف بعضهم من أن يثير هذا الانتقاء حفيظة دول أخرى قد يدفعها للكيد لبلدنا وحكومته، استوجب عليّ هذه الوقفة.
لا أزعم أني أعلم خفايا السياسة الخارجية، وما يجري في كواليسها، وما يقال خلف الأبواب الموصدة، ولكن الأمر لا يحتاج إلى كثير اجتهاد، فالسودان لا يبني مواقفه على الربح والخسارة، ولكنه دائماً تكون مواقفه مبدئية، ولعل الناس يذكرون حرب الخليج الثانية، حينما اجتاحت القوات العراقية الأراضي الكويتية في العام 1990م، وكانت حكومة الإنقاذ وقتها لم تتجاوز عامها الأول إلا ببضعة شهور، فعلى الرغم من أن العراق كانت له أفضال على السودان، إلا أن السودان لم يبن مواقفه على تلك الأفضال، لكنه أدان الغزو، وفي ذات الوقت رفض الاستعانة بقوات أجنبية لإخراج القوات العراقية من الكويت، فلم يستوعب كثيرون ذلك إلا بعد ضحى الغد، بعد أن اتخذت أمريكا وحلفاؤها هذا الاستدعاء ذريعة لاستباحة المنطقة، فتغلغلوا فيها، وتمددت جيوشهم، وأجهزة استخباراتهم، واستنزفوا خيرات أمتنا وشعبنا، وباعوا أسلحتهم البائرة بمليارات الدولارات، ولا زالت المنطقة تدفع ثمن ذلك الخطأ القديم الذي نبه السودان لخطورته في حينه، ولم يستمع له أحد، بل حاربه أقرب الأقربون، وتامروا عليه، واووا ونصروا أعداءه، فكانوا سبباً في كثير من معاناة السودان وشعبه، وكانوا سبباً رئيسياً في فصل الجنوب العزيز.
وموقف السودان الأخير في دعم الشرعية في اليمن، ومحاربة الحوثيين، وقطع علاقاته مع إيران رغم ما كان يجمع بين البلدين، ورغم المصالح المتبادلة، ورغم أن دول أخرى كانت أولى بذلك ولم تفعله، وزاد السودان على هذا الموقف بأن أرسل قوات مقاتلة شرسة، كان لها دور كبير في توازن القوى في تلك المعارك، لدرجة أن أحد أشهر قادة القوات الحوثية، قال لولا وجود القوات السودانية لكنا قد اجتحنا مدن كذا وكذا، ولأجل هذا فقط وقف السودان هذا الموقف، من أجل حماية الأراضي المقدسة، ودفع في سبيل ذلك عدداً عزيزا من الشهداء، ولأجل هذا الهدف النبيل لم يغير السودان موقفه، ولم يسحب قواته، لأن بعض دول التحالف لم تقدره، ولم تنزله المنزل الذي يستحقه، وزاد بعضها على ذلك إذ صار يدعم الذين يعارضون حكمه، سواء الذين هم في الداخل أو الخارج، وهذا ما جعل الناس يستغربون، ولم يستوعبوا موقف هؤلاء، ولا موقف حكومة السودان الذي لم يتبدل، رغم ما يجده من كيد وعداء ظاهر وخفي، فمواقف السودان ليست للبيع والشراء.
والذين حياهم السيد الرئيس في الساحة الخضراء، وساحة السحيني، ليسوا هم الذين تربطهم معه مصالح متبادلة، ولكنهم الذين يقدرونه ويقدرهم، وهم الذين يحترمونه ويحترمهم. وأذكر أن واحداً من الذين لم يستوعبوا تحيات الرئيس البشير، سألني لماذا خص الرئيس البشير الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بتحية أطول من غيره، فقلت له من غير الرئيس السيسي زار الخرطوم ست مرات، ومن غيره عقد ستة وعشرين اجتماع قمة مع الرئيس البشير. فالرئيس السيسي ورئيس دولة جنوب السودان سلفاكير ميارديت، والرئيس التشادي إدريس دبي، ورئيس الوزراء الأثيوبي أبي أحمد، علاقتهم بالسودان ليست علاقات مصالح، وإنما هي أخوة صادقة. ولم يراع الرئيس البشير أي موازنات في تحياته، فارسلها فقط للذين يستحقونها، ولذلك لم ير حرجاً في تحية قطر، وأن يحي معها دولة الأمارات العربية المتحدة رغم أنهما يقفان في معسكرين مختلفين. فهذا هو السودان، وهذه هي مواقفه، لا تخضع لحسابات المصالح والموازنات.