والسؤال المطروح عن : (موقف الامام من الحروب الصليبية). وهم يقولون لقد احتل الصليبيون عددا من بلاد الإسلام لاسيما بيت المقدس الذي دخلوه غازين واسالوا فيه الدماء وقتلوا من اهله نحو ستين ألفا وتفككت الأمة امام هذه الغارات الوحشية إلا أننا لم نسمع صوتا للغزالي وهو صاحب الكلمة المسموعة والصيت المدوي والحجة البالغة ماله لايتحدث عن الجهاد ؟؟ لاسيما وقد كتب وفصل في فقه الجهاد
وقد تحدث البعض أن الغزالي كان في هذه الفترة في مرحلة عزلته المعروفة. وكتب بعض المعاصرين عن هذا الأمر كما بين ذلك (د. الصلابي) في كتابه (دولة السلاجقة) فمثلا :
* الدكتور زكي مبارك مؤلف كتاب الأخلاق عند الغزالي يحمل على الامام وهو يقول بينما كان بطرس الناسك يقضي ليله ونهاره في إعداد الخطب وتحبير الرسائل لحث أهل أوروبا على امتلاك أراضي المسلمين كان الغزالي غارقا في خلوته منكبا على اوراده لايعرف ما عليه من الدعوة والجهاد. وهو كما يبدو حكما قاسيا على الامام .
* أما الدكتور عمر فروخ فقد التمس عذرا للإمام وكان أكثر انصافا وهو يقول كان الصوفية يعتقدون ان الحروب الصليبية كانت عقابا للمسلمين على ما سلف لهم من الذنوب والمعاصي ولعل الغزالي قد شارك الصوفية في هذا الاعتقاد . وغير صحيح تعميم القول بأن الصوفية لايشاركون في الجهاد بل مشاركة الصوفية في الجهاد ضد الصليبين اثبتته الحقائق التاريخية قديما وحديثا .
* ويبدو أن الشيخ القرضاوي كان أكثر انصافاً وهو يتناول هذه القضية. حيث يقول والحق أن هذا الموقف محير من أبي حامد رضي الله عنه. ومثله لايجهل ما يقال ...حتى يقول ولعل عذر الامام الجليل انه شغله الشاغل كان الإصلاح من الداخل اولا. وان الفساد الداخلي هو الذي يمهد للغزو الخارجي. والشاهد في تاريخ بني إسرائيل. لقد وجه أكبر همه إلى إصلاح الفرد الذي هو نواة المجتمع وإصلاح الفرد إنما يكون بإصلاح قلبه وعقله وفكره وبذلك يصلح عمله وسلوكه وتصلح حياته كلها .
* وأعتقد أن الدكتور ماجد عرسان الكيلاني كان أكثر توفيقا من غيره في فهم وإدراك أبعاد موقف الامام الغزالي. حيث جاء في قوله. إن مفهوم الجهاد عند الإمام ليس دفاعا عن أقوام وأوطان وممتلكات بل هو وسيلة لحمل رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي هي السبب الحقيقي لإخراج الأمة المسلمة إلى الوجود. ومادام المجتمع الذي عناصره الغزالي قد توقف عن حمل هذه الرسالة وفسح للمنكر أن يشيع فيه واستساغت اذواقه هذا المنكر وانتهت جماهيره عند الملبس والماكل والمنكح. فإن أي دعوة للجهاد العسكري لن تكون ذات فائدة إلا إذا سبقه جهاد نفسي يبدل مابنفس القوم ويجعلهم يتذوقون معنى التضحية بالانفس والأموال في سبيل الله.
الأمر الثاني : كان الغزالي واعيا بمفهوم الجهاد الشامل والمراحل التي تطبق فيها مظاهره. وهي الجهاد التربوي والجهاد التنظيمي والجهاد العسكري. .ثم يقول لعل هذا الاستعراض يتضمن الجواب على الذي يتهم الغزالي بالعزلة عن قضايا العالم الإسلامي ولعل الميادين الأربعة التي تضمنتها ميادين الإصلاح عند الغزالي دليل واضح على أن الرجل اختار البدء بالجهاد التربوي في أمة ضربها الخور والتثاقل وشاع فيها التنكر للقيم الإسلامية تمهيدا لإخراج الحكماء السياسيين والعسكريين الذين يقودون الجهاد التنظيمي والعسكري الذي يرفع لواء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله وهذه الميادين هي :
١.نقد السلاطين الظلمة
٢.محاربة المادية الجارفة
٣. الدعوة للعدالة الاجتماعية
٤.محاربة التيارات الفكرية المنحرفة
* في ضوء ذلك يتضح لنا أن الإمام الغزالي كان إماماً في الوعي بفقه المرحلة. وعندما كان الصليبي يتقدم وهو يعلن انتصاره على المسلمين كان الإمام مشغولاً بتشخيص الأوضاع ودراسة الحالة وبناء المنهج المتكامل للشخصية المسلمة والأمة القادرة على استرداد عافيتها وإحداث التغيير في مكوناتها الذاتية ومن ثم تحقيق النصر.
وهكذا استطاع الامام وبحضور كامل ووعي شامل ودقة متناهية أن يضع اللبنة الأولى في جدار المقاومة والخطوة الأولى في صناعت النصر ، وهكذا استطاع ذلك الجيل أن يخرج صلاح الدين وان يسترد القدس .
الوعي بفقه المرحلة هو مزاوجة دقيقة بين الزمان والمكان والحال ثم العزيمة والإقدام .
وبالله التوفيق