الاثنين، 22 يوليو 2019

مقالات:مهدياااو


محمد أحمد بن عبد الله ... شاب سوداني يتدفّق طهراً ونقاءاً وتعطشاً للعلم الشرعي ..  هاجر للبحث عنه وتتلمذ علي كبار مشائخ  زمانه وكان السودان ومصر مستباحين لأسرة محمد علي باشا الألباني مفتوحاً  علي مصراعيه للأوروبيين المغامرين يجوبونه طولاً وعرضاً تجاراً  للذهب والعبيد ولصوص آثار  ومغامرين ..
وكانت الفتاة السودانية تباع في سوق الأبيض بمائة قرش (أي عشرين جنيهاً استرلينياً) أو ما يعادل قيمة  بعير صغير أو ثمن خمسة خراف.
وحملت الأقدار محمد أحمد الصغير حملاً لموقع الأحداث ففي صباه الباكر انتقلت أسرته من جزيرة لبب بشمال السودان  إلي كرري بشمال أمدرمان قريباً من مركز السودان السياسي والثقافي. 
لم يكن محمد أحمد مثل بقية الأسرة مولعاً بصناعة المراكب  وكان ميّالاً للعلم الشرعي طاف بين معاهده حتي استقر به المقام عند  الشيخ محمد شريف نور الدائم حفيد الشيخ أحمد الطيب بن البشير الذي  أدخل الطريقة السمانية إلي السودان. 
وانتقلت أسرة محمد أحمد مرة ثانية إلي الجزيرة أبا واقترب من الأبيض  ورأى فساد الحكم التركي الأول فنذر نفسه لتحرير السودان والسودانيين من هذا الحكم الظالم. 
وكانت فكرة المهدي المنتظر رائجة في التراث الإسلامي تبعث الأمل في نفوس المؤمنين بها ولكنها أيضاً تقعد بهم عن الثورة انتظاراً  للقائد المخلص. 
مما يعرفه عوام الناس في تراثهم  أن اسم المهدي المنتظر يطابق اسم النبي ويكون من نسله - وكانت كلا الصفتين تنطبقان علي الشاب محمّد أحمد وقطعاً اصطفاه الله مخلّصاً للسودان من ظلم حكام مصر الذين أذاقوا أجدادنا  صنوفاً من العذاب فأفقروا الرعاة بالضرائب الباهظة واستعبدوا القبائل الزنجية عبيداً وجنوداً لحماية الإمبراطورية - يروي هارولد ماكمايكل في كتابه عن قبائل كردفان أنه في عام 1838 كانت العائدات المطلوبة من أهل كردفان غير النقد والماشية والرقيق 4000 ألف أردب من الذرة أو الدخن (11,800 جوال) و 12,000 من أبقار البقّارة ومن يعجز عن  دفع ضريبته  النقدية يؤخذ من ماشيته ثوراً فحلاً عن كل 35 قرشاً (أي سبعة جنيهات استرلينية).
كان الطلب علي الصبيان السودانيين عالياً - خاصة بعد إخصائهم  ليقوموا بخدمة الحريم في مصر - تتم عملية الإخصاء بواسطة أحد المعالجين المحليين  يموت نصف هؤلاء الصبيان بسبب   مضاعفات العملية. 
رأي محمد أحمد كل ذلك وحتّمت عليه خليفته الدينية وضميره الحي العزم علي تخليص هؤلاء البائسين من العذاب والاضطهاد الذي فاق ما تعرضت له أمم سابقة فقتلوا  أبناءنا  بالإخصاء والحروب واسترقوا بناتنا ونهبوا ثرواتنا  في سن السابعة والثلاثين  (تعادل أربعين عاماً هجرياً) أعلن محمد أحمد نفسه مخلّصاً دينياً من ظلم الحاكمين  بعد عام من لقائه برفيقه وخليفته فيما بعد عبد الله بن محمد التعايشي . استطاع الرجلان إحياء روح المقاومة لدي السودانيين وحققوا انتصارات داوية علي الجيوش الإمبريالية التي كان يقودها الأوربيون ثم حرّروا الخرطوم من الحكم التركي. 
 عاجلت المنية الإمام المهدي ولم يمض كثيراً  بعد تحرير الخرطوم فمات  ولم يتجاوز عمره الاثتين وأربعين عاماً له الرحمة والغفران.
ولم يكتف الغزاة الذين عادوا بعد ثلاثة عشر عاماً  ليستعيدوا حكم السودان بالنصر علي المهدية وقتل الخليفة عبد الله التعايشي واستباحة مدينة أمدرمان نهباً وسلباً واغتصاباً للنساء لعدة أيام  بل هدموا قبة الإمام المهدي ونبشوا قبره.
أخفي  الأنصار بعض أفراد أسرة المهدي في منطقة نائية بجنوب مدينة ود مدني  منهم ابنه الصبي عبد الرحمن الذي  عاد إلي أمدرمان عندما استتبت الأحوال جريحاً  وفقيراً وكسيراً ولكن سرعان  ما تجمع حوله الأنصار يجلّونه ويحبّونه ويخدمونه بلا مقابل إحياءاً  لذكري أبيه الراحل العظيم الذي حرّر السودانيين من الاستعباد المهين وجعل العزة تهز كيانهم - وساوي المهدي بين السودانيين فآسي فقيرهم وعلّمهم العيش بكرامة مدافعين عن وطنهم  وكان من  القادة  الإفارقة القلائل الذين هزموا الجيوش الإمبريالية في جنوب الصحراء الإفريقية. 
وعي الشاب عبد الرحمن الدرس فقد عرف أن العدو لئيم وأن شعب السودان عظيم فانشغل ببناء قوة ناعمة اقتصادية وسياسية ليناجز بها  المحتلين الغاصبين ولم تمض سوي بضع  سنوات حتي شارك حزب الأمة الذي أسسه الإمام عبد الرحمن في رفع علم الاستقلال عالياً خفاقا. 
لاحظ الإمام عبد الرحمن نبوغاً مبكّراً في حفيده الصادق فأرسله للدراسة في الإسكندرية ومنها إلي جامعة أكسفورد اشتغل الصادق بالسياسة منذ ستينات  القرن الماضي حيث زامن حركات التحرر الإفريقية وكانت الأحزاب اليسارية في أوجّها  والحزب الشيوعي السوداني في ريعانه فقام الصادق بتحديث طائفة الأنصار وجعل حزب الأمة أكثر ديناميكية وأجري مراجعات فكرية أثمرت عن  برنامج الصحوة الإسلامية مما مكّن حزب الأمة من الصمود والتصدي  للمد اليساري الحداثي من جهة وتمدد الحركات الإسلامية من الجهة الأخري فصار حزب الأمة حزباً وسطاً بنكهة إسلامية. 
وتولّي السيد الصادق المهدي رئاسة الوزارة لمرتين  وهو مفكّر إسلامي وسياسي محنّك عفيف اليد واللسان ساهم في الحياة السياسية في السودان في أحلك الظروف وحارب وصالح وتنازل وهادن ولكنه لم يتخل أبداً عن مباديء الديمقراطية والإسلام وحبِّه للسودان. 
ولقد ساءني كثيراً إساءة بعض طالبات جامعة الأحفاد للصادق المهدي - إبّان زيارته للجامعة - بألفاظ  وأوصاف لا تليق بمكانة الرجل وتاريخه. 
 جامعة الأحفاد كما هو معلوم  أسّسها الشيخ بابكر بدري وهو أحد جنود الثورة المهدية ورائد تعليم المرأة 
وهؤلاء الهاتفات قطعاً يجهلن مجاهدات الصادق وأبائه من أجل السودان تضحية وفداءاً ونضالاً وجهاداً. 
سلام علي الإمام المهدي في العالمين
وسلام علي شهداء كرري الميامين
سلام علي شهداء القيادة المعتصمين
اللهم احفظ السودان وردَّّ عنه كيد المعتدين