![]() |
بقلم:
|
إثيوبيا ، وما أدراك ما إثيوبيا.. دولة تجسّد التاريخ، وشعب يخلّد الأصالة، إلى منابع التاريخ تمتد جذورهم وفي الحاضر تبسق فروعهم ، لهم مواقف لا يمكن أن يتجاهلها باحث ، ولا يتجاوزها دارس.
كان اسمها الحبشة ، ، وكانت ولا زالت تثبت أنها دولة تستحق تلك المكانة.
توصلت الأطراف السودانية اليوم لاتفاق سياسي ، ندعو الله أن تكتمل أركانه بالاتفاق على الوثيقة الدستورية لتسير البلاد في الطريق الذي رسمته لها الثورة السودانية الظافرة.
لا عجب أن رأينا إثيوبيا هي أول دولة نهضت ،مستجمعة قواها ،ومستلهمة ماضيها ،ورمت بثقلها من أجل حل المشكلة السودانية التي طرأت بعد عزل الرئيس المخلوع عمر البشير.
لا عجب فهي دولة تحسن الجوار ، وتحترم حقوقه،؛ لأنها تدرك ذلك ، وهو شعب يكنّ للسودان حبا خاصا ، والشواهد على ذلك كثيرة ، فكلنا رأينا الفنان محمد وردي رحمه الله يقيم حفلات في إثيوبيا في ملعب رياضي، وليس في قاعة ولا صالة؛ فأنّى لقاعة أن تستوعب كل أولئك المعجبين ، وكيف لصالة أن تضم أولئك الهائمين في عشقنا.
لا عجب في أن تنهض إثيوبيا باحثة عن حل المشكلة السودانية؛ فهي التي احتضنت الهجرة الأولى للمسلمين ، فالإسلام قد دخل الحبشة قبل أن يدخل المدينة المنورة. ورفض ملكُها تسليم المسلمين لوفد قريش ، وتحققت رؤية النبي صلى الله عليه وسلم حين قال :»فإن فيها ملكا لا يظلم عنده أحد»
لا عجب أن رأينا كلنا دموع الوسيط الإفريقي تنهمر، والعبرة تخنقه، وهو يتحدث- عقب توقيع الاتفاق- حين قال : «هذا البلد العظيم ،وهذا الشعب العريق الأصيل» ، سالت دموعه من مآقيها صادقة .
إنها إثيوبيا التي تنهض الآن كمارد إفريقي تجاوز العرقيات والمذهبيات والإثنيات وعُدّت من أسرع دول القارة نموا .
إنها إثيوبيا التي تدخلت لحل الأزمة السودانية دون مصالح ،تدخلت حين تخاذل الآخرون ، ومن تدخل لاحقا لا تخفى مصالحه. فكانت الوساطة الإثيوبية واضحة وشفافة وعلنية .
إن الوسيط الإثيوبي هو الوحيد الذي أتى ممثلا لدولة ، في حين جاء الوسيط الإفريقي ممثلا للاتحاد الإفريقي ، وجاء المندوب العربي ممثلا للجامعة العربية متأخرا شأنه شأن الشرطة في الأفلام العربية ،دائما تأتي متأخرة .ليضع اسمه ضمن الشاهدين على الاتفاق ، رغم أنه أمر لم يشهده ، ولم يشارك فيه ، فصار من الذين يحبون أن يُحمدوا بما لم يفعلوا. يدرك السودانيون تباين مواقفهم، وتنوع مذاهبهم، وصعوبة مراسهم ، وكثرة خلافاتهم ، فلا يصبر علينا إلا من أوتي الحكمة ،وتحلى بالصبر ، وذاك ما تميز به الوسيط الإثيوبي الذي استوعب كل ذلك ؛فنجح في مهمته.
ستظل دموعك -أخي محمود درير -التي رأيناها اليوم دافعا لنا لأن نمضي إلى الأمام ، ومحفزا لنا لأن نتجاوز الخلافات، وستظل تذكّرنا دائما أن هناك من يحبنا حد البكاء فرحا لنا.
