الاتفاق السياسي في مجمله يحقق جزءاً جوهرياً من أهداف ثورة ديسمبر المجيدة والجزء الآخر سيتضمنه الاعلان الدستوري لاحقا بأذن الله تعالى.
لقد نص الاتفاق على الحقوق العامة في ديباجته وكنت أحبذ لو قرن بها الحريات العامة التي صادرها النظام المباد كلياً وصادرها المجلس العسكري الانتقالي جزئياً، خصوصاً بقطعة خدمة الانترنت.
ونص الاتفاق على محاسبة النظام المباد على جرائمه العظمى التي ارتكبها في حق هذا الشعب وفي ديباجته أيضاً وكنت أتوقع أن تكون في صدارة مهام المرحلة الانتقالية، أرجو أن تنتبه قوى الحرية والتغيير إلى هذا التموضع الخاطئ .
وأغفل الاتفاق السياسي وضع الولايات والمحافظات فهل سيسري عليهما ماسيجري في المستوى الاتحادي من تحديد هياكل الحكم أم سيظل الحكم في الولايات عسكرياً كما كان فتعيش البلاد في إزدواجية غريبة ؟ مدنية تعني مدنية في المركز ومدنية في الولايات.
ولست أدري فيم الجدال بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري حول اختصاصات الهياكل الثلاثة مجلس السيادة ومجلس الوزراء والمجلس التشريعي ، وقد حسم هذا الاتفاق أمر الصلاحيات حينما ذكر بوضوح تام أن هذا الاتفاق السياسي حدد هياكل الحكم وصلاحياتها في الفترة الانتقالية( والتي تؤسس لنظام برلماني للحكم) وفي النظام البرلماني رأس الدولة أو مجلس السيادة حسب عرفنا الدستوري الذي ورثناه من الاستعمار البريطاني سلطاته تشريفية وليس له حق التدخل بالإعتراض أو التعديل على قرارات مجلس الوزراء أو تشريعات البرلمان وإنما لا تتعدى سلطاته لاعتماد والتوقيع.
أما نسبة تعيين البرلمان بين قوى الحرية والتغيير وبين المجلس العسكري بعد ثلاثة شهور فلا يجب أن يدور حولها اي جدال ،فالنسبة الأكبر من التعيين هي لقوى الحرية والتغيير بحكم الشرعية الثورية التي قاد بها الثورة هو وتجمع المهنيين عبر مراحل التظاهر والاعتصام والإضراب السياسي والعصيان المدني بنجاح منقطع النظير أدهشني وأدهش العالم بأسره وقد استحق الشعب السوداني بهذه الثورة التي ليس لها نظير مقام الأستاذية في أدب الثورات وهي تحمل سمة السلمية التي ناديت بها كثيراً في الاحتجاج لتحقق المدنية في السلطة فهي بالسلمية مع شباب الثورة غير المتحزب وبخاصة في اعتصام القيادة العامة ،قد شلت القوة العسكرية للنظام المباد فاسقطته وقد استمرت في هذه السلمية الاجماعية فشلت القوة العسكرية للمجلس العسكري وبخاصة في مواكب ٣٠ يونيو الحاشدة التي ليس لها نظير في التاريخ السوداني فأزالت عنه وهم السلطة.
وهذه الثورة السودانية بشعار ( مدنية السلطة) إنما تستهدف وضع نهاية للحكم العسكري الذي استمر في فترات متقطعة ولكنها طويلة لأكثر من نصف قرن منذ الاستقلال كما أن هذه الثورة قد محت المفهوم الخاطئ للقوات المسلحة وهو أن تحكم الشعب لا أن تحمي ترابه فحسب.
وقد أعان الشعب السوداني على تصحيح هذا المفهوم الخاطئ الاتحاد الأفريقي الذي سرت فيه روح جديدة لا تعترف بأي انقلاب عسكري يحدث في اي بلد أفريقي ، فعلق عضوية السودان وهو من مؤسسي هذا الاتحاد ورفض الاعتراف بالمجلس العسكري الانتقالي بل وتوسط في سبيل الانتقال السلمي للسلطة الى المدنيين وأيدت الدول الكبرى الحرة هذا التوجه الديمقراطي للاتحاد الإفريقي كالاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
وقد تدخلت الوساطة الإثيوبية بقيادة آبي أحمد لخدمة هذه الاستراتيجية الإفريقية وهكذا بالضغط الشعبي الداخلي أولاً وبالضغط الإقليمي الخارجي ثانيا ً،خرج هذا الاتفاق السياسي الذي سيشفعه ويكمله الاعلان الدستوري للمرحلة الانتقالية .
أما الذين عارضوا الاتفاق وتحفظوا عليه كالحزب الشيوعي فلم يدركوا خطورة المرحلة ولا المصلحة الوطنية العليا ولا دور الوساطة الأفرواثيوبية ولا التغيير ولا مهام المرحلة في الانتقال من حكم عسكري مطلق الى حكم مدني شبه كامل ، ريثما يجري الانتقال الى حكم مدني كامل باكتمال تأسيس هياكل الحكم وممارستها لاختصاصتها كاملة ، فبعد ٥٢ عاما ًمنذ الاستقلال من الحكم العسكري تقلصت بهذا الاتفاق سلطات العسكريين الي أقلية في مجلس سيادة ذي صلاحيات تشريفية هي نفس صلاحيات مجلس السيادة في النظاميين البرلمانيين الآخيرين، فأين من ذلك سلطات رئيس الجمهورية المطلقة في عهدي نميري البشير ؟؟
لقد أنجبت هذه الثورة السودانية المجيدة جيلا جديداً عالي الوعي لا يخاف من قوة عسكرية ولا يعرف التنازل عن مبادئ الثورة ويتسم بقدر كبير من قوة الارادة في استخلاص حقوق الشعب من بين فكي الأسد.
هذا الشباب ذكوراً وإناثاً هو وحده الضامن للاتفاق السياسي وملحقه من الإعلان الدستوري وهو الحارس على تطبيقهما وهو مستعد للتصدي السلمي لمن ينقض عهدهما ،هو سيكون حديد ساخن لا يبرد طوال الفترة الانتقالية بل وما بعدها وسلاح الاحتجاج السلمي في متناول يده والوسطاء الأفارقة حاضرون والعالم الحر شاهد وسلاح العقوبات الدولية مسلول.
كلمة أخيرة للاسلامويين:
هذا الشعب قد رفض حكمكم تماما ًوأنتم تزيفون الشريعة والدين وتمكنون لقيادتكم وعضويتكم في مفاصل الدولة ومؤسسات المجتمع المدني وتعيثون في الأرض فساداً مالياً وإدارياً وتنهبون ثروات الشعب وتنتقلون من محور خارجي الى محور مضاد لمصلحة سلطتكم ، لا لمصلحة الشعب وتقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، فأقتنعوا بأبعادكم عن السلطة الى الأبد.
وللعسكريين أقول
لقد انتهى عهد الانقلابات والحكم العسكري فلا الشعب الواعي يؤيدكم في الحكم ولا المجتمع الإقليمي ولا الدولي سيعترف بكم.
عودوا الي قانون القوات المسلحة والى قسم تخرجكم هل تجدون فيهما أمر لكم بتولي السلطة؟
دوركم الأعظم من الحكم هو حماية التراب الوطني من اي عدوان خارجي أو تمرد مسلح داخلي على الديمقراطية.
وللأحزاب الطائفية وغيرها:
لا تركبوا موجة الثورة فهذه الثورة ملكيتها الكاملة للشعب السوداني ولطلائعه الواعية من الشباب الذي لم يعد يأتمر بأمركم أو ينتهي بنهيكم فأعرفوا لأنفسكم قدرها كأحد مكونات الشعب العديدة هذا عهد الديمقراطية الحقة، لا التجارب الديمقراطية المنقوصة التي يشوبها الانقياد الأعمى والولاء الكسيح.
لكم كنت أتمنى أن تدخل عبارة انفاذ تدابير العدالة الانتقالية في صلب مهام المرحلة الانتقالية مع إطلاق الحريات العامة كنصوص تتمشى مع العدالة الاجتماعية ،فأن الديمقراطية السياسية مصاحبة كالتوأم للعدالة الاجتماعية وهما لا يفترقان في الكيان البشري حيث الحرية للعقل والعدالة للجسد.
عموماً هذا الاتفاق السياسي خطوة عالية الأهمية في طريق الثورة السودانية التي مرت بكل فصول السنة ، الشتاء والصيف والخريف وننتظر الربيع غداً.
والله المستعان.
مرشح قومي مستقل لرئاسة الجمهورية