الاثنين، 22 يوليو 2019

تحقيق:مستقبل النشاط اللاصفي بالمدارس

ما بين موروث الإنقاذ وأدبيات ثورة 19 ديسمبر  
استشاري نفسي: يجب الابتعاد من السياسة وتربية جيل محب للوطن
النشاط الطلابي: لازلنا ملتزمين بالبرنامج القديم ولم يحدث تغيير
إدارة المناهج: معايير وثيقة المناهج لا علاقة لها بالحكومة
معلمون: نطالب بأدبيات وطنية ترتبط بالوطن وليس بالنظم الحاكمة
بدأ عام دراسي جديد وهو العام الدراسي الأول ما بعد نجاح الثورة السودانية المجيدة التي أطاحت بنظام البشير الذي دام ثلاثين عاما، وقد شاهدنا خلال الأيام القليلة الماضية عددا من الفيديوهات من داخل ساحات بعض المدارس يردد فيها الطلاب بعض من شعارات الثورة أثناء الحصة الصباحية أو طابور الصباح، مما شكل استفهام حول ما اذا كان سيتم تغيير أدبيات المدارس والنشاط اللا صفي أو البرامج الصباحية، خاصة وأن بعض الخبراء التربويين أشاروا إلي أن أي نظام ياتي إلي البلاد يأتي ومعه أدبياته الخاصة، وتحدثت (الوطن) إلي عدد من المختصين في الجانب التربوي حول ماذكر أعلاه، وإذا ما كان هذا النشاط السياسي تربوي ويفيد الطالب في نموه النفسي وأتتكم بالأجوبة: 

حصة مسيسة
استطلعت الصحيفة عددا من المعلمين والخبراء التربويين وأكد الغالبية على صحت فرض الأنظمة الحاكمة أدبياتها الخاصة على المدارس في النشاط اللاصفي، وأعرب معظمهم عن رفضهم لهذا الأمر مطالبين بأدبيات وطنية ثابتة مرتبطة بالوطن وليس النظام الحاكم، من بينهم المعلم عماد الغالي والذي بدأ معقباً على دخول بعض هتافات الثورة إلي ساحات المدارس أثناء إشراقة الصباح أو الطابور المدرسي: أنا شخصياً ضد هذه الهتافات لأن مكانها الشارع ونحن المعلمين أيضاً نهتف بها مع الجميع في الشارع السوداني، أما داخل المدارس يجب الالتزام بأدبيات معينة والنشيد الوطني والبرامج الأخرى، وتحدث عن أهمية البرنامج الصباحي: هذا البرنامج هو حصة كباقي الحصص ويكتسب الطالب من خلاله الشجاعة الأدبية والكثير من الأشياء، ونجد أن كثيرا من الصحفيين والشعراء والممثلين تخرجوا من الحصة الصباحية والتي يفترض أن تكون إضافة للطالب، وأكد "عماد" أن كل نظام حاكم يأتي بأدبيات وثقافة معينة يفرضها على المدارس، ممثلاً بالحكومة السابقة: أتت الحكومة السابقة مغلفة بالدين فكانت الشعارات والأناشيد ذات طابع ديني مثال نشيد "في حماك ربنا"، في وقت يجب أن تتناول حصة الصباح مواضيع متنوعة يكتسب منها الطالب الشجاعة الأدبية ولكنها كانت طوال الفترة الماضية والطالب في نطاق ضيق وكانت هذه الحصة مسيسة أكثر من أن تكون بها حرية للطالب.
غير مجدية
اتفق الخبير التربوي حامد محمود مع "عماد" في أمر تسييس الحصة الصباحية والنشاط اللاصفي، وقال ب"أسف" إن كل نظام يأتي على رأس الحكم يفرض أشياءه وتنتهي مجرد ما إن انتهت فترته، فمثلاً كان يتم ترديد قصائد مايو طوال فترة السبعينات في الطابور الصباحي والجمعيات الأدبية وفي الليالي الثقافية وأعياد الاستقلال، ويتم تخصيص شهر كامل من العام الدراسي ويردد الناس كل ما يندد لنظام مايو، أتت الإنقاذ وكررت المسألة وكان يتم تخصيص شهر كامل لترديد الجلالات والقصائد وكل أشيائهم، ولا يوجد اثنين يختلفان على هذا، ونوه إلي ضرورة وقفة التربويين على هذا الأمر، ومعرفة مدى الأثر النفسي على الطالب، وهل هذه الاشياء أدت إلي النتيجة التي يريدها النظام، ومضى بالقول: لا، هي لا تأتي بنتيجة فمايو مثلاً استمرت "16" عام وانتهت وكذلك الانقاذ استمرت "30" عام وانتهت، وجميعنا شهدنا أن الناس التي خرجت ضد البشير هم الشباب الذين ولدوا في ظل الانقاذ ودرسوا في مناهجهم ورددوا أناشيد الانقاذ في طابور الصباح والدورات الثقافية أو الدورات المدرسية، خرجوا وقالوا "تسقط بس" و"نحن الجيل الراكب رأس ما بيحكمنا رئيس رقاص"، وأضاف "حامد" لم تكن هذه المسألة متروكة في أيام بخت الرضا، ولكن أتى هذا الشيء مع مايو وأصبح كل نظام يأتي بأدبياته، ولكن قبل ذلك كانت البرامج الصباحية عادية جداً، واعتبر أن ترديد الجلالة وشعارات الثورة في البرنامج الصباحي في بعض المدارس خلال الفترة الحالية هي مجرد "شقاوة" من الأطفال لأن هذه الشعارات كانت سائدة طوال الشهور الماضية، وهي شعارات نحترمها جداً وقد حققت نجاح ثورة الشباب ولكنها غير مناسبة للنشاط اللاصفي على الاطلاق، وشدد على ضرورة ارجاع الحصة الصباحية القديمة التي كانت تهدف إلي تنمية الشجاعة الأدبية عند الطالب والثقافة العامة في فقرة (هل تعلم) وغيرها مما كان موجود في السابق، والتركيز على أدبيات وطنية مرتبطة بالوطن وليس النظام الحاكم، مثال نشيد المؤتمر الوطني الذي كان يقوم أستاذ اللغة العربية في المتوسطة بتدريسه إلي طلاب الصف الأول في أولى ايام العام الدراسي ويكونوا قد حفظوه في اليوم الثاني ليرددونه في طابور الصباح منذ اليوم الثالث، وكان شيء قومي جميل، ونحن لدينا أشياء قومية كثيرة جداً سادت أيام هذه الثورة، وهذا الأمر يحتاج فقط وقفة من التربويين ولا داعي لمكابرة أي نظام مهما كان إسلامي أو غير اسلامي، يساري أو يماني وعليهم أن يرفعوا أيديهم من المدارس ومثل هذه النشاطات.
المشاركة السياسية
أما الخبير التربوي أحمد المجذوب لا يرى أي مشكلة في مشاركة الأطفال النشاط السياسي بل ويعتبرها علامة صحية وايجابية وذكر أن هنالك مادة تسمى المشاركة السياسية في بعض الدول تشرك الأطفال في التوعية السياسية ويكون لديهم دور ولكن بشرط أن تكون هذه المشاركة ايجابية، وتنص رسالة "أحمد" على أن تكون المشاركة فاعلة وعليها لازم أن تكون ايجابية أي أن يكون لدى الأطفال في المدارس معرفة بالواقع الموجود ويتناولوا الأحداث بالإحاطة مثال أن يكونوا محيطين ومدركين بوجود ثورة ورايين رأي مدني ورأي عسكري، ولكن يرفض العنف من كل الأطراف وإذا ظهر عنف في أي جانب نقول أن هذا خطأ، لأنه منافي للأعراف والأخلاق وأي شيء، ونحن نقول يجب أن تدخل المدارس الأشياء كشيء ايجابي وأن لا تدخل الألفاظ المبتذلة في الأنشطة أي أن تختار لغة رفيعة مثال الأناشيد ذات اللغة السامية كجدودنا زمان وصونا على الوطن وأنا السودان جمال اشراق أو سودانا فوق، وواصل حديثه: ولكن هناك ابتداعات حديثة فيها كلمات لا ترتقي بمستويات المدارس فالمدرسة مكان راقي ولا يمكن أن يقول الأستاذ مثل هذه الكلمات إلا في اطار خارج البيئة التعليمية، وبهذه الطريقة يكون قد تم بناء إنسان سليم بحيث يكون لديه رأي معتدل ولا يكون لديه رأي فيه تطرف أو عنف أو تعصب، فنحن نريد أن ننبذ هذه الأشياء الـ"3" لأنها تولد مشاكل كثيرة جداً، وعندما يتم إدخال الأطفال في العنف أو الكراهية خلال هذه الأشياء ينشأوا ولديهم كراهية تجاه فئة من الناس لأن هذا المعنى مرسخ عنده، وأشار "أحمد" إلي أن ما تقوم به الأنظمة الحاكمة من فرض أدبيات معينة هو نوع من التمكين بغرض الحصول على أكبر عدد من الحشود ولكن الحشد يأتي بالإقناع، ونحن نقول دائماً إلي من يمارس السياسة أن يحاولوا طرح برامج قوية تجد رواج في كل الأوساط وأن تترك الإنسان يتبنى الأفكار وهو مقتنع بها.
المصلحة الوطنية
وجهت (الوطن) السؤال (هل ستتغير أدبيات المدارس والنشاط غير الصفي؟) إلي مدير عام الأنشطة المدرسية المكلف بوزارة التربية والتعليم الاتحادية عبدالهادي دياب والذي قال: لم يتغير شيء حتى الأن ومازلنا نحن ملتزمون ببرنامجنا لأن المنهج المدرسي بكل مكوناته المواد الأكاديمية والبرنامج اللاصفي (الأنشطة المدرسية بكل تفاصيلها بما فيها حصة الصباح) لا يتغير بين يوم وليلة، وسنظل مستمرين على برنامجنا إلا إذا أتى تغيير من قِبل إدارة المناهج لأن المركز القومي للمناهج هو الذي يقوم بوضع المنهج ويخصص البرامج الأكاديمية بكل تفاصيلها من مرحلة الأساس إلي المرحلة الثانوية والبرنامج اللاصفي، ونحن لا نستطيع التغيير وعلينا أن ننفذ فقط، وفي الحديث عن فرض الأنظمة الحاكمة أدبياتها على النشاط اللاصفي كرر "عبدالهادي" حديثه بأن مهمة إدارتهم هي تنفيذ ما يأتي به المركز القومي للمناهج، ولا يقوم الأفراد بإدخال مايروه مناسب وإذا قاموا بالخروج عن اطار المنهج الموضوع تتم محاسبتهم، وأن برنامج النشاط اللاصفي محدد بتفاصيله ومكوناته كما مادة الرياضيات التي تدرس كما هي ولا تتم فيها إضافة كلمة واحدة، واوضح أن هنالك ضوابط وأجهزة تتابع هذه المسائل إذا ما تم الانحراف عن المنهج، وأنهم غير ملزمين برقابة المدارس وليس لديهم تقاضي عليهم، وجزم علي اهتمامهم بالجانب الوطني ووجود مادة أساسية بكتاب صادر من المركز القومي للمناهج يسمى التربية الوطنية يدرس داخل الصف وفيه نشاط خارج الصف، لتعزيز القيم التربوية والقيم الوطنية وليعرف الطالب مصلحة الوطن ويضحي من أجله ويفخر به.
المنهج الخفي
ولكن أوضح مدير المركز القومي للمناهج والبحث التربوي د- معاوية السر قشي أن تغيير أدبيات المدارس والنشاط غير الصفي لا يتم عبرهم وإنما عن طريق الأساتذة وإدارات النشاط بالإضافة إلي ان إدارات المدارس نفسها تقوم بوضع برامج النشاط، ولكننا نهتم بألا يخرج من اطار التربية الموضوعة، وفي الحديث عن فرض الأنظمة الحاكمة أدبياتها علي النشاط اللاصفي، قال "معاوية" إن التربية قضية مجتمع وليست قضية حكومة، وهي قضية قومية لا يفترض أن تتأثر بالانظمة السياسية، ونحن قد وضعنا في معايير وثيقة المناهج للعام "2013" موجهات أو معايير للنشاط الطلابي يستهدف تحقيق الأهداف التربوية الموضوعة، وليس لديها أي علاقة بالحكومة وإنما بالمجتمع السوداني وغايات تربية أولاده وفلسفة التربية وهذه القضايا، وهذه مسائل لا تخضع للتغيير ونحن بالأساس ضد دخول الايدلوجيات والأشياء السياسية في المدارس أو المناهج، ويفترض علينا أن نربي تربية قومية أما مسألة التوجيه السياسي فهي مسألة لها قنوات أخرى، وتابع: لا يفترض أن تكون التربية أداة توجيه سياسي في أي حال من الأحوال لأن السياسة أمر يتفق فيه الناس ويختلفون، ونحن نربي على القضايا الكلية والمتفق عليها والقضايا والهموم القومية، وجزم "معاوية" أن النشاط اللاصفي لا يخضع إلي معايير أنظمة الحكومة، ولكن هنالك ما يسموه ناس التربية والتعليم بالمنهج الخفي، مثال أن تؤثر توجهات المعلمين وكذا على العمل الذي يتم داخل المدارس وتصبغه بصبغة معينة، ولكن لا توجد في المنهج ولا ذرة توجيه سياسي لا من قريب ولا من بعيد، وأشار إلي أن ترديد شعارات الثورة في بعض المدارس في هذه الفترة، قد يكون تم بصورة عفوية وليس بتوجيه من إدارات المدارس، وأن الشيء الذي يتم بشكل عفوي يعني أنه يعبر عن رغبات الأطفال وعما بداخلهم باعتبارهم عنصر متفاعل في المجتمع ويتفاعل بما حوله.
تربية وطنية
شددت الاستشاري النفسي د- ابتسام محمود على ضرورة أن تكون التربية في المدارس تربية وطنية مرتبطة بالوطن، ومضت بالقول: أذكر أننا جيل مايو كنا نردد في المدارس يا مايو حبيب، فأين مايو الآن! وعليه يجب ألا يكون الانتماء إلي تنظيم أو فئة محددة أو عنصرية لبلد محدد، وإنما يكون الانتماء للسودان بكل نواحيه وقبائله وأن تكون هناك وحدة صف ووحدة هدف وحب للوطن فقط، وتابعت: يجب أن يكون الجانب التربوي في المدارس عبر مناهج مدروسة ومعروفة من ناحية أبعادها النفسية والتربوية وتعمم على جميع انحاء السودان وألا تكون الأشياء التربوية للحظة أو لانطباع معلم أو انتمائه لجهة معينة، فلهذا تأثير سالب في عدم ثبات الجوانب التربوية بالنسبة للأطفال، فيجب أن تكون المناهج والمعلمين والمدارس بعيدين كل البعد عن أي صراعات سياسية أو عسكرية أو أي مشاكل مرتبطة بالقيادات في السودان وإنما يكون التدريب على القيم التي تساعد في خلق جيل محب لوطنه وتنمي المهارات الوطنية وتربي الأطفال على قيمة الاتقان والعمل وكيف يكون إنسان ناجح، وتربي لديه قيمة قبول الآخر، وتقام مناهج تساعد على كيفية نبذ العنصرية عن الطريق التربوي والطريق المنهجي وكيفية إنهاء المحسوبية وتشجيع الأطفال وتنمية مفهوم الانتاج لأن هناك كثير من القصور في كفاياتنا السلوكية بحاجة إلي منهج تربوي مدروس ولديه أهداف واضحة فالتربية ليست عملية عشوائية تبنى على الانفعال أو الظروف اللحظية التي سوف تخلق نوعا من أنواع البلبلة بصور مختلفة بين الطلاب.
 ونصحت "ابتسام" من يريد أن يدرب الطلاب على الجانب السياسي كمنهج عليه أن يعلمهم قبول الآخر وقبول الاختلاف ونبذ الصراعات التي تؤدي إلي تدمير البلد، وأن يهتموا بزيادة الولاء والانتماء للوطن وتوحيد الصف وأن تكون هذه الأشياء مدروسة وتأتي من وزارة التربية والتعليم بتعميم إلي كل المدارس، وزادت مشيرة إلي بعض المدارس التي رددت هتافات الثورة: ربما يكون معلمي المدارس التي تردد شعارات الثورة من ضمن النظام الحالي وتكون المدرسة التي تجاورها ضد هذه الشعارات وتابعة إلي النظام السابق وهنالك ثالثة ليس لها علاقة بهذا ولا ذاك، فهذه فوضى تربوية لا جدوى منها ويجب أن يكون هناك توحيد للمناهج التربوية ويتدرب عليها المعلمين، ونحن في السودان بحاجة إلي تغيير سلوكي لأن السودان بلد غني بمدخراته الطبيعية وبعقوله النيرة ولكن نفتقد لكثير من السلوكيات الايجابية التي تساعد في التنمية والسبب الأساسي فيها هو قصور مؤسسات التنشئة، ولذلك نتمنى أن يبدأ التغيير من وزارة التربية والتعليم من وحدة المناهج بوضع أهداف تربوية جديدة تواكب التغيير الذي نحتاجه لنستفيد من تطوير بلادنا.