
• بقلم: محمد صالح عبدالله يس
تتميز أم كدادة بجغرافية وسيمة وباذخة إذ تكتحل بشاهقات يحزمن خصرها برمال تتمدد كصولجان مجوهر تتدرج ألوانه من البياض إلى الإصفرار والحمرة وتشكل جبالها مخفراً وحرساً لها، فهي قلعة محصنة وملكة جدودها شيوخ وعيون ترهب عنتر ونابليون كما قال الشاعر الصاغ محمود أبوبكر في رائعته ( أنا ما معيون ) أما المدينة من جغرافية النقل والمواصلات فهي همزة وصل بين غرب السودان وشرقه وتنفرج من داخلها طرق برية داخلية متعددة تتخذ محيطاً داخلياً تبدأ بها وتنتهي عندها اللواري التجارية هي وسيلة النقل الوحيدة التي تصل المدينة من الشرق والغرب وليس لها موقف محدد فقط هنالك حيازة محدودة تقع شمال شرق السوق وتتخذ السيارات من ظلال أشجار الهجليج موقفاً وتتسابق نحوها وأحيان كثيرة تحدث ملاسنات بين مساعدي اللواري بسبب حجز المكان وفي أحايين كثيرة يستخدمون أيادي الروافع ( العفريتة ) كأسلحة إذا تمثل ظل الشجرة مضيفة للوري ويتخذون جزءاً من ظلها مطبخاً لصناعة الطعام وفي الطرف الآخر يوضع عليه سرير المعلم ( السواق ) أما ما تبقى من ظلها يتفضل المساعد بها للسناير الذين يلازمون السائق في مقعده كركاب من الدرجة الأولى .
تقول الأستاذة زهراء الدخيري إن أبناء أم كدادة امتهنوا قياداة اللواري منذ أربعينات القرن الماضي وكان في مقدمتهم العم عبدالله عبد الوهاب وهو أبناء الأسرة الكبيرة في المنطقة سيارته من ماركة أبو رجيلة والفورد والفيات وتشهد مضابط المدينة أن التاجر سراج الحاج أحمد والد السياسي المعروف تجاني وعلي الشريف والحاج الزاكي صالح والد الأستاذ مالك الزاكي هم الرعيل الأول الذي اقتنوا أبو رجيلة كأحدث موديل في تلك الفترة البعيدة .
وتمضي زهراء في سردها أنهن غادرن أم كدادة كأكبر مجموعة من الطالبات في سيارة عبد الله عبد الوهاب بوصفه أحد أبناء المنطقة والذي كان يحرص عليهن ولا يسمح لهن بتناول الأطعمة والمشروبات على المقاهي المنتشرة على طول الطريق المؤدي إلى مدينة الأبيض وكان يقف على جنبات الطريق لتناول الطعام والشراب بعيداً عن أعين الناس فقد كان مجتمع أم كدادة مجتمعاً محافظاً وتقليدياً ينظر إلى المرأة كإحدى مقتنياته الخاصة ولا يسمح لها بالخروج وحدها إلا بمعية مرافق أو محرم وحتى الطالبات لا يسمح لهن إلا بالسفر في مجموعة وعندما يصلون إلى مدينة النهود يقمن في منزل عبدالله عبد الوهاب.. وقالت زهراء إن الريلة زوجة العم عبد الله عبد الوهاب كانت تكرم وفادتهن وتهتم بشئونهن وتهيئ لهن متكئاً وإقامة طيبة في منزلها الذي كان يعج بالضيوف القادمين والعابرين من النهود إلى أنحاء مختلفة في السودان وأحياناً تطول إقامتنا لأسبوع ريثما يجد لنا العم عبد الله رفقة مأمونة من أصحاب اللواري المتجهين إلى ناحية الأبيض والتي كانت مركزاً لتجميع الطالبات اللائي يظلن في الانتظار ريثما تصل البصات لنقلهن إلى الدلنج وكان العم عبد الله عبد الوهاب هو الوسيط بين طالبات أم كدادة وأولياء أمورهن وكثيراً ما كان يحمل لهن كراتين الزوادة وبعض ضروريات الحياة من مصاريف وخطابات وغيرها فيقوم بدوره بإرسالها مع أحد زملائه الذين يعملون بطريق الأبيض الدلنج والحديث للأستاذة زهراء أن المسافة بين الأبيض وأم كدادة تستغرق ثلاثة أيام بلياليها.. فالطريق شديد الوعورة والوحل خاصة المنطقة بين أم كدادة والنهود حيث تتمدد الكثبان الرملية الكثيفة والتي تعرف باسم سبعتاشر قوز ورغم هذه المعاناة كن في غاية السعادة فمن بيهن من لم تركب اللوري في حياتها فكم مرة توقف اللوري في جانبي الطريق لإسعاف إحدى الطالبات تمكن منها القيء والاستفراغ من جراء رائحة الديزل والكربون المنبعث من عادم اللوري.
مرت الأيام والأسابيع والشهور والسنوات سراعا وفي كل عام تقترب الآمال والأحلام والآن نحن وأنتم جميعاً أيها الأخوة القراء أمام زفة واحتفال عظيم بمنزل آل الدخيري احتفاء بتخرج كريمتهن فاطمة في مايو 1958 كان الفرح قد غمر جوانح فاطمة وبلل دموع الفرح وجهها.. فقد كانت رقيقة المشاعر تنهال دموعها كلما عانقها مهنئاً أو لامست يدها أحد الأخوة أو الآباء والأعمام. فقد ذبحت الذبائح وأولم القوم أيما وليمة وبعد أيام وصلها خطاب من وزارة التربية والتعليم من مديرية دارفور بأنها تم تعيينها معلمة بمدرسة بنات أم كدادة الأولية ولم يمضِ يومان حتى مثلت أمام مكتب ضابط التعليم وتسلمت مهامها بمدرسة بنات أم كدادة .
وبدأت حياتها العملية بجد ونشاط وهمة فقد معلمة صف ومشرفة على الطابور الصباحي إضافة إلى أنها كانت مسؤولة عن النشاط المدرسي الرياضي وأسست حجرة التدبير المنزلي القائمة الآن بالمدرسة فقد كانت تجيد الخياطة والتطريز وفنون التفصيل وأقامت أول معرض من إنتاج التلميذات في نوفمبر من العام 1959 أما في مجال المسرح فحدث ولا حرج فقد. فيعود الفضل لها بتأسيس مسرح المدرسة على يديها وقامت بإخراج العديد من المسرحيات والتمثيليات التي نالت الرضا والاستحسان من قبل مجلس الآباء والمعلمين فإضافة إلى هذه المواهب المتعددة كانت تجيد فن الخطابة المنبرية فاستطاعت صقل مواهب التلميذات خاصة في الجمعية الأدبية التي تقام بالمدرسة في نهاية كل أسبوع فقد كانت رحمها الله طلقة اللسان ولها إلمام بعلوم الفصاحة والبيان .
كانت فاطمة معلمة استثنائية في كل شئ كانت تسكن في حرم المدرسة وسط الطالبات ترعاهن بعطفها الدفاق لا تعرف الكلل والملل فأصبحت أماً للطالبات تجوب العنابر وتتفقدهن في جنح الليل، فكم مرة استصحبت إحداهن إلى المستشفى أو الشفخانة ليلاً وسيراً على الأقدام وأحياناً تضطر للمبيت معهن في المستشفى في الحالات الحرجة، فقد ذكرت لي الأستاذة مريم أبوبكر إسحق أن الأستاذة فاطمة في مرة من المرات تعرضت إحدى تلميذاتها لكسر في يدها فحملتها على ظهرها حتى المستشفى التي تبعد عن المدرسة بحوالي كيلو ونصف.
![]() |
• بقلم: محمد صالح عبدالله يس
|