الأربعاء، 16 يناير 2019

مقالات:البشير.. لا يسقط بس، لا يقعد بس

  يبدو أن الذين ابتدعوا هتاف (تقعد بس) من مناصري الحكومة قد تأثروا بشعار المعارضين (تسقط بس) وهي مجاراة ما كان ينبغي لها أن تكون، ذلك أن هتاف المعارضين لم يكن موضوعيا، ولم يكن في مكانه، ولا يعبر عن حقيقة المظاهرات الاحتجاجية التي خرجت بصورة عفوية، ووصفها كل الذين تحدثوا من الحكومة، ومن الحزب الغالب حزب المؤتمر الوطني، بأنها كان لها ما يبررها.
وانسياق مناصري الحكومة وراء الذين يسعون لسرقة غضبة الذين خرجوا، يساهم في تحويل المظاهرات عن هدفها الأساس، ويمنح المستغلين مشروعية، بل لعله كان سببا في توسعة دائرة هتاف (تسقط بس) حتى عند غير الذين كانوا يفكرون في هذا الهدف، ثم أنه حول المسألة عن مسارها الطبيعي بالنسبة للفريقين، المحتجين، والذين يحتج لديهم، وكما هو معلوم فإن أول مظاهرة خرجت في مدينة عطبرة كانت رد فعل لانعدام دقيق الخبز كلية في المدينة، وأعني الدقيق المدعوم من الحكومة، حيث لم يكن يوجد جوال واحد من هذا الدقيق في ذاك اليوم في مدينة الحديد والنار، فاضطرت المخابز لإستخدام الدقيق غير المدعوم الموجود في السوق، فبلغ سعر قطعة الخبز الواحدة ثلاث جنيهات، وأكثر في بعض الأحيان. وحتى حالات الحريق والتخريب والتدمير التي صاحبت مظاهرات اليوم الأول كانت تعبيرا عن حالة الغضب أكثر منها موقفا سياسيا.
وعلى الرغم من تنازل منحنى المظاهرات الاحتجاجية يوما بعد يوم، إلا أن أصحاب الأجندة السياسية من المعارضين استطاعوا تعميم الشعار الواهم (تسقط بس) وللأسف الشديد جدا أن كثيرين من الذين يخرجون لنصرة الحكومة، أو يجتهدون في الوسائط المختلفة، لم يزيدوا على الهتاف المناوئ (تقعد بس) مع العلم أن الأكثرية من أهل السودان غير منشغلين بالسقوط أو البقاء، هم يريدون فقط تحقيق مطالبهم في العيش الكريم، وينتظرون اليوم الذي تختفي فيه الصفوف تماما، ويكون كل مواطن قادرا علي استرداد أمواله التي يودعها في المصارف، ولا يسعي بعد ذلك لسحب مال إلا لحاجة محددة.
ولا يهمني في هذا المقام ما يقوله الذين يتسللون وسط المحتجين، او يصطنعون مظاهرات لأجل رفع هذا الشعار فقط، بصرف النظر عن حجمها، وأثرها، ولقد ثبت أن أكثر هذه المظاهرات المصنوعة معزولة تماما، ولا تجد من يتعاطف معها من المواطنين، بسبب عدم موضوعيتها أولا ثم لرأي عموم أهل السودان السالب في الذين يقفون خلف هذه المظاهرات من القوي السياسية، ثم لما يتبعها من أكاذيب وافتراءات، ولكن الذي يهمني حقيقة هم الذين ابتدعوا الشعار الانفعالي (تقعد بس) فهؤلاء برفعهم لهذا الشعار صنعوا من الرئيس البشير هدفا للاحتجاجات. وهذا ليس صحيحا على الرغم من أن الرئيس البشير هو رمز الحكم، وقائده، والمسؤول عن إصلاح أخطائه، ولكن الهتاف والهتاف المباشر غير كثيرا من المعاني والثوابت، فقديما كان المنتقدون للنظام يصوبون جل سهامهم إن لم يكن كلها إلى ما دون الرئيس ممن هم حوله في الحكومة والحزب ويتحفظون على كثير مما يقولون ويفعلون، لكنهم هذه المرة صوبوا سهامهم نحو رأس الحكم، ولم تصرفهم عنه سوى التصريحات غير الموفقة الأخيرة التي أدلى بها بعض القيادات المحسوبة على الحكومة.
وفي تقديري أن شخصين فقط ممن تحدثوا على الملأ حاولا تصويب المسعى، هما الشيخ عبد الوهاب الكباشي، والدمنقاي الدكتور التجاني السيسي، فعندما وقف الشيخ الكباشي مخاطبا الجماهير التي احتشدت في الساحة الخضراء الأسبوع الماضي لنصرة الرئيس البشير، أعلن وقوفه ومساندته الرئيس البشير ثم طلب منه إصدار قرارات لم يسمها، فلما صعد الدمنقاي السيسي المنصة بعده أمن على ما قال به الشيخ الكباشي من نصرة، ثم ضم صوته الى صوت الشيخ عبدالوهاب في مطالبة الرئيس البشير إصدار قرارات، ومن أدب الشيخ الخليفة الكباشي، والزعيم الدمنقاي العالم الجليل الدكتور السيس لم  يكملا الحديث، ولم يحددا للسيد الرئيس ما يطلبونه منه من قرارات، ولم يقل أحد منهما أن هذه القرارات هي قرارات جوهرية حاسمة وفاصلة، وهي التي تسقط شعار المعارضين(تسقط بس) وترمي به في مزبلة التاريخ، وهي التي تعزز ما يهتف به المؤيدون  (تقعد بس) والحكم بيد لله، يعطيه من يشاء، وينزعه عن من يشاء.