الخميس، 17 يناير 2019

مقالات:جهاز الإحصاء..أكثر من واجهة للرقم

  ذات اثنين قبل عدة أسابيع دعيت لفعالية ما قالوا أنها تخص الجهاز المركزي للإحصاء.. بصراحة استجبت للدعوة لخاطر الداعي على سبيل المجاملة.. وهو سلوك معروف في الوسط الصحفي.. حيث يجبرك الاحترام ورابط الزمالة والصداقة على إجابة بعض الدعوات وأنت تجرجر أقدامك.. وبطنك طامة..
في البداية وجدت صعوبة حتى في الوصول لمقر الجهاز بشارع الستين.. على وضوحه..ثم أنه بدا لي أنني قد ارتكبت خطأ فادحاً في حق نفسي ومهنتي.. إذ كيف لم يسترع هذا المبنى انتباهي؟ وكيف لم تستوقفني لافتة الإحصاء طوال هذه السنوات... على أي حال أن تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي.. ففي هذا المبنى الفخيم تقوم عقول سودانية متوثبة على واحد من أهم الأعمال الوطنية الأكثر حساسية وسرية في أضابير الخدمة المدنية.. استمعت بدهشة مشوبة ببعض الحذر لحديث الإختصاصي العام.. الدكتور كرم الله علي عبد الرحمن.. وهي صفة تطرق أذني للمرة الأولى على الإطلاق.. وهو يستعرض تاريخ إنشاء الجهاز المركزي للإحصاء والمعلومات في العام 1903م أي أنه أقدم من الدولة السودانية الحديثة بنحو نصف قرن من الزمان.. وحساسية الجهاز تنبع من كونه الذاكرة الإحصائية المطلقة للدولة والمجتمع السوداني، حيث ينطلق منه الفحص المجهري الأول لأية معلومة تخص جهة أو مؤسسة أو مواطن سوداني وتنتهي به خصوصية هذه المعلومة.. وقد أقفل قبل سنوات ملف الأرشفة والتراسل الورقي ليستحق مساحة من سماحة وهو ينهي حالة التأريخ الشفاهي غير الموثق لهذه الأمة.. المنبر كان تفاكرياً أكثر من كونه صحفياً لمجرد الاستهلاك الخبري وقد عبّر الزملاء عن صدمتهم من التعتيم الكبير الذي اعترى مسيرة الجهاز طوال السنوات الماضية.. واحتفوا أيما احتفاء بإجازة القانون الجديد الذي يتيح له القيام بدوره الطليعي في تعريف الواحد الصحيح كرقم حي لكل معلومات الدولة وتوثيقها وتقييمها وتقويمها..فهو عمل متصل ومتواصل ومتقاطع كما ذكرت لهم مع أجهزة ومؤسسات وقوانين أخرى على رأسها قانون الصحافة والأمن الوطني والخدمة المدنية.. وفوق ذلك الإرادة السياسية التي تسند عمل الجهاز وتنأى به عن الاختراق المؤسسي الذي يتسلل بين مسام المشاريع الكبيرة فيصيبها بالمرض الصامت.. القاتل..
نعود