منوعات:احتجاجات وملل
لأول مرة تختلط عليّ الأشياء، وتتبعثر كلماتي بغية كتابة عمود عن أحد المواضيع المهمة في ساحتنا المليئة بالأحداث، خاصة السياسية.
عن ماذا أكتب.. وأترك ماذا.. أو يتم تأجيله إلى وقت لاحق ؟، فكتابة العمود هو عمل شاق، يستدعي تحديد فكرة وبلورتها لتؤدي الغرض الذي من أجله "خُلقت".
طغت الاحتجاجات التي أطلت برأسها وقدميها على بلادنا منذ نهاية الشهر الماضي، على المشهد السوداني والعالمي، بإعتبارها مستمرة حتى اللحظة، إذ لم تفتر همة المتظاهرين الشباب، والتي يقابلها ردع من السلطات الأمنية، ولم يسلم من الأمر حتى العابرين للشوارع وسكان الأحياء؛ الذين «أدمعت عيونهم» بفعل الغاز المسيل للدموع، ومنهم من اختنق وفقد حياته، أو كاد يفقدها، والأمر برمته لاقى استهجاناً واضحاً من بعض المواطنين.
ورغم السخط العارم من غالبية الشعب، بسبب السياسات التي أفضت إلى احتجاجات، إلا أن قطاع عريض يتعامل مع الأمر بطريقة «طش وعش»، خاصة وسط أصحاب الدخل المحدود والمهن الهامشية؛ الذين يرون أن الاحتجاجات ستقطع عليهم الطريق أمام أعمالهم، لجهة أنهم يتعاملون بـ(رزق اليوم)، ولا يدخرون جنيهاً لغدٍ، إذ أنهم يخرجون للعمل من أجل (لقمة العيش)، ولا يهتمون بأي شئ آخر يتعلق بالسياسة.
قبل أيام لحظت أن شخصاً يطلق عليه الشباب (أدروب) في أحد أحياء أم درمان، انتهر الصبية الذين التفوا حوله لشراء »سندوتشات الطعمية«، قائلاً :«أمشوا .. كرهتونا ذاتوا.. تجوا تأكلوا الطعمية، وتمشوا تحرقوا اللساتك وتجيبوا لينا الهوا.. حتى طعميتي بارت أمس بسببكم».. أمثال "أدروب" هم كثيرون في مجتمعنا، وهؤلاء كما يقولون :«لا يريدون أي مظاهر لانعدام الأمن والفوضى»، ويزيدون على ذلك بأنهم : «دايرين يعيشوا ويربوا أولادهم وبس».
وبحسب الشواهد، فإن الاحتجاجات لم تسقط في غالبها إن لم يكن جلها إلا شباب في بواكير صباهم، ومنهم طلاب جامعات، خرجوا لـ(تسقط بس)، ولا يهمهم من يحكم بعد الرئيس البشير، والغريب أن البعض منهم يشعلون الحرائق "اللساتك وفروع الأشجار" في أوقات متأخرة من الليل في الأحياء التي يقطنونها، وبعد دقائق تسمع أصوات "البمبان" "وتفريق المتظاهرين " والساقية لسة مدورة.
أخيراً :"عندما يطيل أمد الثورات، فإن الملل يتسلل للنفوس".