مقالات:وتبقى فينا شعاعاً

كل يحمل منّا رسالة ، يؤمن بها ، يسعى بشتى السبل في تطويرها وتحسينها بعد أن يسورها بقناعاته ، ويزينها وبرحيق إنفعالاته وعمق أحاسيسه لتصير معبرة عن ذاته وخصوصيته ، رسالة يدرك معناها ومقاصدها وفي سبيل أن تعبر عن هدفه ومشروعة ، رسالة ليست ذات عنوان يعلق أو صوراً ترمي لشهرته، أهدافاً يعبر من خلالها لمكاسب تحقق له أغراضاً ذاتية ، رسالة يؤمن بها وبأنها مسؤولية ومشروعاً فعلاً يحقق غاياته الإنسانية النبيلة ، يلتف حوله من يؤمنون بها علناً أو سراً خوفاً من نوازل الدهر أو السلطان ، العديد من المفكرين أو الأدباء والمبدعين والفلاسفة في شتى المجالات ضربوا أروع الأمثال ، وزينوا رسالاتهم المعبرة بنبض أهلهم ومواطنيهم والمحيط الذي حولهم ، واجتهدوا ، وصمدوا في وجه الرياح العاتيات ونحتوا تاريخهم بالصبر والتأني خطوات محسوبة النتائج تلقي بظلالها وفيّها على الملأ وضوئها ورؤيتها تحمل الحياة بأريجها وشذاها ، والفن الغنائي رسالة إنسانية خالدة لمن وطنها بالكلمة والمفردة والجملة واللحن والتطريب والتنغيم دون أن يخدش الآخرين ودون أن ينساق وراء شهرة أو منفعة مالية ، والعديد من الفنانين السودانيين والذين التزموا خط الرسالة ذات المضامين الإنسانية والأخلاقية وذات التوجه المؤمن بقضايا الوطن حُوربوا وشردوا ، وسعى البعض بكل ما يمتلك من إمكانيات في محو تلك الأعمال الغنائية الرسالية الإنسانية ولكن هيهات خابت المقاصد وغابت الأماني وتكسرت على أرض الواقع بالرغم من القوانين المشروعة التي تأمن للفن مساره وبالرغم من قوة الظلامية وتحكمها على الرقاب ولما يمتلك من إجراءات وموانع ، الراحل مصطفى سيد احمد المقبول من المؤمنين برسالة أن الفن لهدف يهدف إلى مقاصد إنسانية ، فن سامي ، رايات اعلام ترفرف في سموات الوطن ، تحيل جدب الصحاري إلى واحات من المغنى الفريد ، وتدك وتحطم كل العواصي والعواتي ، وجبروت الظلمات والقابضين على أنفاس المبدعين وعديمي الهوية ، استطاع مصطفى، وفي فترة وجيزة أن يغير في خارطة الشارع الغنائي السوداني بالرغم من المجهودات المقدرة للعديد من المغنين الذين سبقوه وتمسكوا بلونيتهم، واستطاع مصطفى سيد احمد أن يقفز فوق المستحيل وأن تبني له مع زملائه الشعراء والذين آمنوا برسالته واحات في المغني الإنساني والوطني إذا جازت التسمية ، وان يسهموا في دفع مسيرة الغناء السوداني ويلونوا بكلماتهم المعبرة خارطة الغناء السوداني ، رحل بعد أن هجر وطنه ليس رغبةً منه بل أجبر على السفر كالطيور التي تغادر أعشاشها في غير مواسمها ، يحمل رسالته بالرغم من المرض والوجع ، وبالرغم من البعد عن الوطن ، لم يحرمه البعاد وهو لم يغب عن ُسوح الوطن من التواصل مع معجبيه ومع حبيبته الغالية دوماً والتي عشقها حتى آخر أنفاسه ، أرض اسمها السودان بكل رمالها وطينها ونيلها صحاريها قيزانها ومدنها الصغيرة التي تصبح مدناً كبيرة وحلماً يتحقق ورسالة تُنجز مهما طال الزمن ، إن الذين حاربوك كانوا يستمعون إليك سراً بعد إغلاق كل نوافذ سياراتهم خوفاً من رسالتك وفي دواخلهم يؤمنون بأنك فنان مبدع وأبن بلد عاشق لترابك ، حاربوك لأنك نزعت من سويدائهم أحلامهم القاصرة على أرجلهم ، أحلامهم التي بنوها وشيدوها قصوراً خصماً على لقمة العيش ولبن الأطفال ، وعلاج المرضى وتعليم أبناء الحي والحلة ، حاربوك لأنك آمنت بهذا التراب وضحيت من أجله ودفعت الثمن غالياً ، وسارت رسالتك كالنسائم تغشى الجميع دون فرز أو هوية أو قبيلة ، رسالتك حملها حتى الذين لم يعاصروك ولكنهم آمنوا بها رغم المصادرة والحرق والدس والتزييف والتجاهل ، وهاهي ذكراك ال19 تطل ونحن أكثر وفاءً لرسالتك ، وهاهي قريتك ود سلفاب وبداخل نادي الفلاح تحتفي بك في يوم 71/1/5102م ونردد نحن من البعد معهم ( وضاحة ، عم عبد الرحيم ، عدا فات ، الطيور ، الشجن الأليم ، في عيونك ضجة الشوق والهواجس ، كوني النجمة في صمت الليل ، طفل العالم الثالث ، السمحة قالوا مرحلة ، الحزن النبيل ، أظنك عرفتي ، نشوة ريد ، في عيونك، البت الحديقة ، عباد الشمس ، غدار دموعك ، مهما تأخروا ، لو كنتي معايا ، يا ضلنا ، قمر الزمان. والعديد من الروائع و الدرر التي اشتاقت إلى أناملك أن تداعبها وتغازلها وتبث فيها روح التلاقي وتلك الموانئ والأرصفة التي تنتظر رسو سفائنك العائدة إلى أرض الوطن.
..... عالي الجنان والمغفرة
إلى أن نلتقي يبقى الود بيننا