مقالات:لقد كان حقاً شريفاً ونبيلاً
كان الشريف حسين الهندي قائداً استثنائياً بحق ، مبدئي في مواقفه ولو أدى ذلك إلى حتفه، شجاعاً دون رهبة، مناضلاً جسوراً لا يتهيب المواقف ولا الرجال، عزيز النفس ذليلها لا تغريه سلطة «مغمسة» في الدكتاتورية، كما ولغ فيها المتنطعين دون كسب، لقد كان حقاً شريفاً ونبيلا.
الشريف حسين مدرسة في السياسة السودانية، لن تتكرر، فكراً وطنياً سوياً بغير انحراف أو اغتراب، قريباً من تطلعات وهموم الناس دون تكلف أو مداهنة، تجده يتوسط البسطاء على الأرض دون ترفع، ولا أبالغ إن قلت لم تنجب أرض السودان قائداً مثله.
تربى على هذه المدرسة الفريدة من نوعها أجيال وأجيال من الاتحاديين، منهم من تعثر وسقط، وأغرته الدنيا ومكاسبها الرخيصة الزائلة، وكثيرون صمدوا متمسكين بوصاياه وقسمها المغلظ، «والله لو امتدت يدي لتصافح يد ديكتاتور متسلط لقطعتها بيدي الأخرى»، وما كان للشريف أن يفعل ذلك، ولن يفعل لذلك.
حياته كتاب مفتوح ومشرف، ليس فيه ما يخجل ويعيب، ، غير ملوثة بالتدليس والكذب والفساد؛ كان له أن يحيا مترفاً ومنعماً ومرفها في دعة، كما يحيى النبلاء وأصحاب الحظوة والإرث، فهوالشريف ابن الشريف، ولكنه آل على نفسه، أن يختار طريقاً وعراً وشاقاً ليخلص شعب السودان من المتسلطين الفاشلين النزقين، وكان نعم القدوة والهادي على الطريق.
رحل الشريف وترك سيرة حسنة وإرث يفتخر به، ومبادئ لم يتمثل بها الكثيرون، رحل كما يرحل الشجعان، لم تصاحبه اللعنات بعد مماته كما لاحقت الكثيرين من القادة السودانيين.. وكثيرون انتظروا رحيله وغيابه عن المشهد، أولئك الذين لا يحفظ لهم التاريخ، لا موقفاً مشرفاً، و لا سيرة مشرفة تمشي بين الناس، والعظماء دائماً ما يتركون خلفهم ما يذكر الناس بهم، وهكذا كان الشريف عظيماً بين أهله.
ليسو الاتحاديون وحدهم من تشربوا من هذا الفيض الدفاق، وإنما كل السودانيين نهلوا منه معنى حب الوطن وعشق الارض، وبذل النفس رخيصة في حضرة الوطن، وتعلموا منه أن النضال طريق طويل له نهاية مهما طال.. رحل بعد أن وضع نهاية لحكم النميري، بثورة وطنية رسم خطوطها ومعالمها الشريف، فقد كان متيقناً أن هذااليوم، ولكان يراه في ذلك اليوم يتقلب في قبره مزهواً بما ترك من غرس، جسد معاني الاستلهام بالنضال حتى الرمق الأخير.
الشريف حسين الهندي،رجل يضيق به ثوب الحزبية، لومد الله في أيامه لكان رمزاًوطنيا لكل السودانيين،ولضاق به أي كيان أوتيار مهما اتسع،ولكنها إرادة الله أن يأخذه في وقت معلوم،ليجعل منه مثالا حيا يتمثل به أصحاب المبادئ.
كلماحلت ضائقة ونائبة بالسودانيين تحت وطأة الأنظمة الشمولية والديكتاتورية الظالمة والمتسلطة،يأتي ذكره استلهاما لأفكاره النيرة في إيجادالحلول المتزنة بغيرتطرف،حلولا تنصف الضعيف وتكفل للفقير والمعدم حياة كريمة، ذهنية خارقة في الحساب والتقديرات المنصفة، ولا ابالغ في القول أنه سبق الكثيرمن القادة الأفارقة والعرب في الإنتباه الى محركات الشعوب للثورات ضدالظلم والفسدة، وبندالعطالة يقف شاخصا يحكي عظمة هذاالفكر القارئ لكف المستقبل.
عرفته شعوب القارة الافريقية، قبل ان تعرفه قادتها، مساندا وداعما لها في معارك التحررالوطني من الاستعمارالبغيض، وكان لايألوا جهدا أن يستقطع من وقته وماله وعلاقاته،ان يقدم لها كلما يعينها على الفكاك من ربقة الظلم.
خطيب ذرب اللسان مفوه قوي الحُجة والمنطق، لاينطق ساقط القول ترفعا وتأدبا، وذهن متقد حاضرا يسوقك اينما أراد،لاتملك إلا أن تتقلب بين يديه ذات اليمين وذات الشمال، يسحرك بحديثه السلس، سخر كل ثقافته وأدبه في خدمة الناس، هكذا عاش و هكذا رحل.. واي والله انه لعظيم.
برحيله فقد حزب الحركة الوطنية مكانته وموقعه الذي اكتسبه عنوة واقتدارا، والتاريخ يحفظ الرواد الأوائل من أبناءالطبقة الوسطى التي حلقت بنضالها وفكرها في سماوات الوطن عاليا، خاضوا معركة التحريرالأولى،لم يغريهم صولجان الإنجليز فاتبعوه، من كل هؤلاء وأولئك تشرب الشريف معاني الوطنية الحقة، وتمدد بها في فضاءات الحزب والوطن الفسيح.. نعم خسرالوطن والحزب برحيله المفاجئ، وخسارة الحزب أكبر، وتقدم بعد قامته المديدة وكاريزميته الصارخة، الاقزام ليتصدروا قيادته، اقزام بلاتاريخ ولامواقف، استباحوا ذلك الإرث العظيم، وباعوه بثمن بخس في دلالات الانظمة الشمولية ، بئس الرجال هم.
ويكفي مانثرته الكاتبة غادة السمان من كنانتها في حق الشريف،حين تقول بأسى وحزن عن شخص سمعت به ولم تلتقيه.
المكان اثينا..فندق الملك مينوس..
أذن هنا سقط شهيدالمنفى،الشريف حسين الهندي،ذلك الانسان النبيل الذي لم التق به إلافي سطور محبيه وعيون تلامذته.
.. هذا الرجل الذي ولدفي افريقيا واحبها،وحالف آسياوحمل همها، ومات في اوربا، يذكرنا بعشرات النبلاء امثاله، الذين تساقطوا قبله في الغربة، وسيتساقطوا بعده في الغربة، كي يردوا الوطن الينا من غربته..
هذا قدرالمناضلين الصادقين.. الرحيل قبل الاوان ،وقدرنا أن نحزن عليهم ونأسى لغيابهم، ولكن لهم علينا حق أن نخلد سيرتهم الناصعة في اركان التاريخ..
وهذاحقك علينا ايهاالشريف.