الانتخابات .. ولكن كيف .. ؟!
تبارى الكتاب والمحللون والمتابعون في تشريح الأوضاع الراهنة في البلاد كل من زاوية رؤيته، ولم تخلُ بطبيعة الحال قراءات البعض من إسقاط الأشواق والعاطفة ؛ فطفقوا يرسلون الخطب الجوفاء ومن حيث أرادوا أوتوهموا بأن "شيئاً لم يكن أصلاً وأنى يكون" .. قطعاً فإن مثل هؤلاء من مناصري الحكومة ومشايعيها العضويين لم يرفعوا رؤوسهم بعد لإعادة النظر كرتين ، وإدراك أن الزمان تمضي عجلته وفق قانون التجدد والوقائع الكونية، فتراهم يتصدون في المدافعة بتبخيسٍ وتسفيهٍ مخلٍ لما يجري من تظاهرات واحتجاجات عمت القرى والحضر وباتت حديث الناس وشاغلهم اليومي.. وهؤلاء يرمون سهامهم من قوس قديمة تعود للمربع الأول من حقبة الانقاذ الأولى.
استسهال كبير عبًّر به البعض ومضوا بذات الاسطوانة المشروخة ومضغ العلكة التي فقدت مذاقها بالاستهلاك المتواصل لثلاثة عقود اتسمت بالخطاب الأحادي وتصويب وابل من حمم مفردات التخوين والتقزيم باتجاه القوى السياسية الوطنية. وإعمال كل الوسائل والأدوات في هدم وتفكيك وتمزيق نسيجها، وشل قدرتها على الفعل وفق قاعدة " حُكم القوي"..
الذين حكموا بفشل الحراك الشعبي على صدر الصحف أمرهم محير جداً..! وهم يعددون على مسامعنا عوامل هذا الفشل المزعوم متزامنة مع هدير الجماهير وهتافات الشباب الطامح للتغيير.. وهل أدل على قوة تأثير الاحتجاجات أكثر من أنها تضع الحكومة الآن في ما يشبه الطوارئ والانغلاق في حيز ردة الفعل .. يبدو بخلاف هؤلاء أن قيادة الدولة تدرك جيداً وفي أعلى قمتها حجم المأزق السياسي، والشاهد أن جميع المناسبات الرسمية كانت منصات لامتصاص غضبة الشارع وبث الرسائل المبطنة والتأكيد على الانتخابات وسيلة للتغيير والتي يمكن قراءاتها على أنها المحطة التي ينتوي الرئيس بلوغها ليعلن الترجل قبل انطلاق اجراءاتها.. وبحدوث ذلك على أقل تقدير تكون الاحتجاجات قد أحدثت ما عجزت عنه مؤسسات الحزب الحاكم التي ارتضت - على مضض- قرارات سياسية أضعفت من قدرة الحزب أكثر مما تساعده على تطوير بنيانه الهيكلي والتنظيمي، ولربما كانت "ضارة الأحداث" هي النافعة من حيث لايحتسب منتسبو "الوطني".
بالمقابل لامست أقلام عصب الأزمة وقفزت مباشرة إلى المبادرات ومقاربة الحلول بالدعوة إلى الحوار وافساح المجال لصوت العقل، ولعل الأستاذ الهندي عزالدين ذهب بعيداً في زاويته أمس "الثلاثاء" بدعوته لأحزاب الشيوعي والمؤتمر السوداني وتجمع الاتحاديين المعارضين لإدراك الفرصة وصولاً الى ما أسماه - تسوية سياسية شاملة - بحكم التأثير الكبير لهذه القوى على كيان الشباب الحديث "تجمع المهنيين".. لكن انعدام الحد الأدنى من مشتركات بين سقوف هؤلاء الساعين للتغيير الجذري والنظام الذي في أسوأ خيارته يتمسك بإدارة آلة التغيير بنفسه.. وطبيعي أن لايسلم عنقه هكذا ببساطة والانقياد الى حتف يرسم له .. بين هذا وذاك يظل الايجاب في التشخيص هنا رد على تلك القراءات التي لا ترى وراء الحراك والهتافات مطالبين واقعيين، في حين أنهم أصحاب أحلام وتطلعات مشروعة بينهم تنظيمات وقوى سياسية محترفة ، وشباب على قدر عال من الوعي والنضوج الفكري التقت كلمتهم على التغيير هدفاً.. وبالتالي هي ليست قوى وهمية أو أشباح تنفقصهم الرؤية السياسية والبرامج والأهداف كما يعمد البعض الى التقليل من شأن الحراك الجاري والذي لن تكون معه الأشياء هي الأشياء.. وحتى لو استمرت الحكومة بذات القيادة الحالية فإن واقعاً جديداً يكون قد تشكل فيها مستلهماً الدروس والعبر من هذا الشعب المتفرد.
التلويح بالانتخابات يظل مقبولاً "شكلاً" في هذه المرحلة ولا سبيل لأطياف المعارضة أن تبلغ غاياتها في الممارسة الديمقراطية المنشودة دون الاحتكام لصناديق الإقتراع وهي المرحلة التي بات النظام الحاكم يلوح بها أكثر من أي وقت مضى، ولم يعد من المستحيل التواضع عليها وفق آليات تضمن نزاهتها لعدة عوامل ومستجدات... لكن الأحزاب المعارضة تدرك أن استحقاقات مهمة تتطلب التهيئة لهذه المرحلة مما يجعلها لاتنفك من المطالبة بمرحلة انتقالية تتحقق معها العدالة المطلوبة في التنافس الانتخابي دون إستئثار طرف بعوامل دفع استثنائية عبر تسخير امكانيات الدولة لخدمته.