مقالات:حمزة ليس له بواكي

قبل أيام مضت توفي الى رحمة مولاه .. جارٌ لنا وكان رجلاً رقيق الحال غنيُّ النفس.. طيب القلب يتفقد الجيران بملابسه البسيطة النظيفة ..
تجده حاضراً في كل الملمات.. رغم أن سكان الحي من الرجال كانوا نادراً ما يتفقدونه في المنزل الذي كان يعمل فيه خفيراً ويسكن مع أسرته.. لم نسمع عنه يوماً إلا كل معروف.. هادئ متزن مسالم..!
مات فجأة.. جاري العزيز.. فأسرعت مهرولة دامعة لأبكي أخلاق الرجال..ابكي الطيبة والقناعة.. الأدب والمروءة.. وجدت المنزل بعد أقل من نصف ساعة مكتظاً بنساء الحي.. وعجبت جداً.. حين خرج الجثمان إلى مثواه الأخير.. ولم يكن عدد متابعيه يتجاوز العشرة.. سبحان لله! إن الناس في الدنيا مقامات.. فولله لو كان رجلاً من أهل السلطة والمال.. لما وسعت الشوارع الناس.. ولكن الحسابات في الدار الآخرة حسابات أخرى.. فربما كان الجليل هنا حقير هناك والعكس !
قُتل حمزة بن عبد المطلب-عم النبي (صلى لله عليه وسلم) في غزوة أحد بعد أن أغرت هند بنت عتبة »وحشي« بأساورها الذهبية إن هو قام بقتله.. وقد فعل! وحين تفقد النبي (صلى لله عليه وسلم ) القتلى وجد عمه وقد مُثل به ومنظر الشهداء مريعاً.. فقال بن مسعود: ما رأينا رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) باكياً قط أشد بكاءً من بكائه على حمزة.. وضعه على
القبلة.. وانتحب وشهق بالبكاء.. قال حبَّان: إن حمزة لم يوجد له كفن إلا بردة اذا جعلت على رأسه قلصت من قدميه.. واذا جعلت على قدميه قلصت من رأسه حتى مدت على رأسه وجعل على قدميه الأذخر.. وحين عاد الرسول (صلى الله عليه وسلم ) إلى المدينة وجد نساء الأنصار يندبن قتلاهن.. ولم يجد من يبكي على حمزة.. فجلس حزيناً مردداً »ولكن حمزة ليس له بواكي«.. أشهدكم أنه سيد الشهداء!
لا يهم يا جاري الكريم أن بكاك الناس أو شيعوك.. فإنا لنشهد لك بحسن الجوار.. كنت في الدنيا كطيف عابر.. لم يسمع لك صوت.. لم تكن من أهل المال أو البروج المشيدة.. تفترش الأرض وتلتحف السماء.. وتفشي السلام.. ولا تسيءُ للأنام.. كنت فقيراً مستعففاً.. وقد قال (|) أول من يدخل الجنة فقيرٌ مستعفف ذو عيال«.. دعني أبكيك أنا إن لم يكن لك بواكي...
زاوية أخيرة:
جاء رجل الى النبي (صلى الله عليه وسلم ) فقال يا رسول الله إني رسول الفقراء إليك.. فقال (| ) بلغ عني الفقراء إن من صبر منكم واحتسب فله ثلاث خصال ليس للأغنياء منها شيء.. أما الأولى فإن في الجنة غرفة من ياقوتة حمراء ينظر إليها أهل الجنة كما ينظر أهل الدنيا للنجوم لا يدخلها إلا فقير.. والثانية الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمئة عام.. والثالثة اذا قال الفقير سبحان لله، الحمد لله، لا إله إلا لله ولله أكبر مخلصاً وقال الغني مثله لم يلحقه الغني في الأجر..
فرجع الرجل إليهم فقالوا: رضينا! يا رب!