يمر السودان في هذه الأيام بأحرج مراحل تكوينه وتخلقه، وفي مثل هذه الأزمان وتحدياتها، ينبغي على السلطة الرابعة أن تكون في طليعة الركب الساعي إلى بناء سودان جديد تسود فيه قيم الحرية والعدل والمساواة، والفضيلة والمحبة، ونكران الذات، وما يؤسفنا حقيقة أن الواقع بعيد عن ذلك تماما، وأسوأ ما في هذه المرحلة أن شركاءها الأساسيين غير متوافقين، بل على درجة عالية من التنافر والصراع، وهذا ما ينذر بمستقبل محفوف بالمكاره، والأسوأ من هذا كله أن أكثر زملائنا في مهنة الصحافة والإعلام دخلوا طرفا في هذا الصراع، مع هذا أو ذاك، وهذا ما يزيد الطين بلة.
ليس مطلوبا أن يكون الناس كلهم على موقف واحد، ورأي موحد، وهذا مناف لطبيعة البشر، فالاختلاف من سنن البشر، ولكن يجب أن يتفق الناس على المقاصد العامة، والأهداف السامية، وما نراه الآن من تجاذب وتنافر، وبغض وكراهية، وصراع واحتراب يهدد مستقبل ثورة السودان التي تعلقت بها آمال عريضة.
وليس انحيازا لزملاء المهنة ورفقاء الدرب، لكنني أرى أن الصحفيين والإعلاميين أقدر من غيرهم للقيام بهذا الدور الطليعي الرائد، ومن خلال معرفتي اللصيقة لكثيرين من العاملين في هذا المجال، أرى أعداداً لا حصر لها قادرون على القيام بهذا الدور، ولذلك توجهت إليهم بالخطاب لقيادة التجربة في أنفسهم بالابتعاد عن المحاور التي تفرق ولا تجمع، والسمو فوق التصنيفات التي تضعف وحدة الصف، ثم نقود خطابا واحدا موحدا، يذكر في المقام الأول شريكي الثورة الأساسيين، المجلس العسكري وقوي إعلان الحرية والتغيير أنهما فريق واحد يكمل أحدهما الآخر، وأنه لا يمكن لأحدهما أن يكسب علي حساب الآخر، فكل كسب يحققه أحدهما ينال الآخر منه نصيبه، ويكون كله لصالح الوطن والمواطنين، وهذا لن يتحقق إلا بعودة الروح القديمة التي تشكلت يوم أن توجه الثوار صوب القيادة العامة صباح السادس من أبريل هذا العام وهم يهتفون، (شعب واحد جيش واحد) ففتح لهم الجيش قلبه قبل أن يفسح لهم الطريق إلي ساحة القيادة التي تحولت إلى ساحة للثورة والنصر، وكان من ثمار تلك الروح أن رفض قادة القوات النظامية الأربع الانصياع لأوامر الرئيس الأسبق بفض الإعتصام، واتخذوا قرارا بالإجماع يؤكدون به الانحياز للثورة الشعبية، وكان هذا هو مفتاح النصر.
لقد تداخلت عوامل كثيرة ليس هذا مكان لذكرها، بدلت هذه الروح التي كانت سائدة بين الثوار من العسكريين في المجلس العسكري، والثوار المدنيين في قوي إعلان الحرية والتغيير، حتى وصل الحال بينهما إلي شبه عداء، وكان لنا في الصحافة والإعلام دور كبير في تذكية هذه الروح الشريرة، ولولا حسن الظن، ولولا أني اعرف كثيرين معرفة قريبة، لراودتني الشكوك، ولظننت أن بعضهم يعملون لصالح جهات تتربص بالسودان، ولكنني أربا بنفسي أن تظن ذلك في أخوان نحسبهم من الصالحين، ولذلك أدعو نفسي وإياهم للتحرر من تلك الروح الشريرة، وأن نعمل معا لقيادة وطننا وشعبنا، مع أخواننا في قوى الثورة العسكرية والمدنية، ومع أهل السودان كافة، وفي مقدمتهم كل القوى السياسية الأخرى خارج منظومة الحرية والتغيير، فهؤلاء لا ينقصون في الحقوق والواجبات عن أولئك شيئا، ولكن لكل حال موقف يناسب حاله، فالذين كانوا يناهضون النظام السابق، ويعارضونه، ودفعوا في سبيل ذلك اثمان باهظة، الفرصة لهم لتشكيل معالم المرحلة الانتقالية، أما الذين كانوا يحكمون خلال السنوات الثلاثين الماضية، حكما أصيلا مثل المؤتمر الوطني، أو كان حكمهم بالتحالف معه من أحزاب التوالي، والحوار الوطني وغيرها، فهؤلاء لا يصح لهم منازعة الثوار في المرحلة الانتقالية، وعليهم ترتيب انفسهم، ومراجعة مسيرتهم، والاستعداد لمرحلة آتية يعود فيها الحكم للشعب عبر انتخابات حرة نزيهة، ساعتها يختار الشعب من يثبت جدارته، وجدارتنا في الصحافة والإعلام أن نقود التنوير بتحديات المرحلة، ونسعي لغرس الحب بدل الكراهية التي تفشت بيننا، وبالله التوفيق والسداد.