الأحد، 17 فبراير 2019

أيقونة الوطن:القرآن كائن حي


د. مصطفى محمود

٭ لاحظ عزيزي القارئي اللغة القرآنية تختلف عن لغتنا التي نكتب بها أو نتكلم بها في إنها محكمة لا خطأ فيها ولا نقص أو زيادة 
٭ وقد كثر الكلام عن الآيات الكونية التي تحدثت عن النجوم ومساراتها والأرض وخلقها والحياة وبدايتها ـ وكيف جاءت العلوم الحديثة بالجديد المبهر من الحقائق خلال مئات السنين التي أعقبت التنزيل القرآني، فلم تخرق حرفاً قرآنياً واحداً ولم تنقص آية ، بل توافقت جميعاً مع الكلام القرآني وزادته توكيداً.
٭ كما جاء القرآن في نظم الحكم والإقتصاد، وفي الأخلاق وفي حقوق الإنسان، وفي الاسرة، وفي الزواج، وفي المرأة والشرائع بالكلمة النهائية الجامعة.
٭  كما إنفرد القرآن الكريم بذروة في البلاغة، وقمة في البيان وجمال في الاسلوب لم يطاوله فيه كتاب، وقد أفاض القدماء في هذا وأغنونا.
٭ لكن يظل هناك وجه معجز من وجوه القرآن ربما كان أهم من كل هذه الوجوه.. يحتاج إلى وقفة طويلة... وهو ما أسميته بالمعمار، أو البنية الهندسية، او التركيب العضوي، أوالترابط الحي بين الكلمة والكلمة.
أشبه القرآن في ذلك بالكائن الحي.. الكلمة فيه أشبه بالخلية.. فالخلايا تتكرر وتتشابه في الكائن الحي، ومع ذلك فهي لا تتكرر أبداً، وإنما تتنوّع وتختلف وكذلك الكلمة القرآنية فإننا نراها تتكرر في السياق القرآني ربما مئات المرآت، ثم نكتشف إنها لا تتكرر أبداً برغم ذلك، إذ هي في كل مرة تحمل مشهداً جديداً وما يحدث إنها تخرج بنا من الإجمال إلى التفصيل ...
وأنها تتفرع عضوياً تماماً  مثل البذرة التي تعطي جذراً وساقاً ثم أغصاناً، ثم أوراقاً، ثم براعماً، ثم أزهاراً، ثم ثماراً، وهي في كل مرة لا تخرج عن كونها نبات البرتقال ولكنها عبر هذا التفصيل تعطينا في النهاية حقيقة نبات البرتقال ... وذلك هو الترابط العضوي أو المعمار الحي... والقرآن بهذا المعنى يشبه جسماً حياً.. والكلمة القرآنية تشبه كائناً حياً أو خلية جنينية حيّة فهي تتفرّع عبر التكرار الظاهر لتعرض مشاهد يكمّل بعضها بعضاًً تماماً كما تنقسم خلية الجنين لتعطي خلايا الرئتين والقلب والكبد والأحشاء والعظام والجهاز العصبي إلى أن تعطينا في النهاية إنساناً كاملاً، وقد جاء كل هذا التنوّع من خلال متشابهة، فذلك هو التفصيل الذي كان مجملاًً في الخلية الاولى للجنين.