الأحد، 17 فبراير 2019

مقالات:إبراهيم أحمد عمر.. ما بقول


لم يكن العدد كبيرا في بداية الزمن المحدد لانطلاق نفير الوقوف مع متضرري حريق سوق ام درمان الذي قاده الإعلاميون والفنانون والمثقفون، تحت شعار (سوق ام درمان في الوجدان) وهي الفكرة التي أطلقها الإعلامي الألمعي الابن الحبيب مصعب محمود، وتداعي لها نفر كبير من أهل قبيلة الإبداع يتقدمهم حاكم ام درمان الهمام الفريق أحمد علي عثمان أبوشنب، وقائد مسيرة الإبداع في الولاية الأمدرماني الهادي حسن عبدالجليل، ونفر جليل من المبدعين نذكر منهم علي سبيل المثال لا الحصر، رئيس جمهورية دار الرياضة أم درمان كمال افرو، والعطبراوي المخضرم، توأم روح أم درمان وبري كمال حامد، والفنان الملتزم بقضايا شعبه وأمته، ومهنته سيف الجامعة، والشاب الذي يشع نورا وابتهاجا أبو هريرة حسين، والفنان المبدع الذي سرقه العمل الإداري من أجل المبدعين عماد الدين إبراهيم، وصنوه الصحفي والإعلامي عابد سيد أحمد، واسر القلوب الفنان الدباب الدكتور نضال عبدالعزيز، والعزيز عزيز الخير، والشيخ الوجيه أسامة، ودينمو أروقة الثقافة والفنون عبدالباقي حسين، والتوأم علم الدين عمر وهيثم التهامي، والمذيعان المتالقان خليل والجيلي اللكندي، والزهرات النضرات الاعلاميات المتميزات، ليمياء متوكل، وجواهر الشريف، ورشان أوشي، وأم لميس، وأسماء ادريس، ورحاب إبراهيم، والفنان المحبوب صلاح ولي، والشيخ قريب الله، والمخصوص عابدين درمة، وآخرون كثر لا يسعهم المكان، الذين أكرموني بفضلهم وجلعوني رئيسا لهذه المبادرة المتفردة التي كان حفل تدشين انطلاقها مساء الاربعاء الماضي في المركز الثقافي الأمدرماني. فقال لي الأخ أحمد عبدالكريم مدير مراسم المجلس الوطني إن هذا العدد غير كاف لحضور رئيس المجلس الوطني البروفيسور إبراهيم أحمد عمر، وطلب مني تأخير بداية الحفل قليلا حتى يزداد العدد، فقلت له إن بروف إبراهيم قادم بصفته ابن من أبناء أم درمان، وليس بوصفه رئيسا للمجلس الوطني، وقبل أن أكمل شرحي وتفسيري دخل علينا البروف بالسيارة التويوتا، ولولا الزحام وضيق الزمن لجاء راجلا علي أقدامه

قبل بداية الاحتفال ذكر لي بروف إبراهيم مقالي الذي كتبته قبل أيام في هذه المساحة، وتحدثت فيه عن تخلي الدكتور الجزولي دفع الله عن صديقه المرحوم الدكتور عبدالله سليمان العوض الذي قدمه لرئاسة مجلس أمناء الوكالة الإسلامية يوم أن وقف دكتور عبدالله مع أخيه المرحوم الشيخ حسن الترابي يوم المفاصلة (رجالة) وذكرت أن دكتور عبدالله بعد أن سجل موقفه هذا للتاريخ كان حريصا علي التواصل مع كل أخوانه بلا إستثناء، وكان حريصا علي دعم مشروعات وأهداف الدولة، واستشهدت بذلك قبوله مبادرة الأخ العميد يوسف عبدالفتاح لرعاية وتنمية اطفال جنوب السودان ضمن المشروعات التي يمكن أن ترجح خيار السلام، ثم قبل مبادرتي بزيارة ابن عمه البروفيسور إبراهيم أحمد عمر الأمين العام للمؤتمر الوطني، الذي أبدي ترحيبا كبيرا بمقابلته، وراقت له الفكرة، وبالفعل جاء النمر دكتور عبدالله، والتقي البروف إبراهيم في مكتبه بالمؤتمر الوطني، وبث تلفزيون السودان خبر المقابلة، إلا أن المتربصين لم يتركوا المبادرة تسير، فعطلوها، وكان ذلك نهاية الحلم. وكنت قد استشهدت في المقال ببروف إبراهيم، فقال لي دكتور إبراهيم مداعبا (ولو قلت ما حصل، بتعمل شنو؟) فقلت له (ما بتقول) فضحك وضحكت، ودخلنا قاعة المركز وانطلق برنامج تدشين مبادرة (سوق ام درمان في الوجدان)
قلت للبروف  (ما بتقول) لأنني أعرفه معرفة لصيقة لأكثر من أربعين عاما، وهي معرفة مباشرة، وليست سماعية، فليس جوار السكن وحده، وجامع الأمين عبدالرحمن، ومسجد الخليفة مكي، والحركة الإسلامية هي وحدها التي جمعتنا، فلقد عملت معه في أمانة الطلاب بالحركة الإسلامية، ووجدت منه ومن زملاء الأمانة ما أعانني علي وضع بصمة، ولبنة جديدة لعمل المناشط، هي ما كان يتحدث عنها بعض رفقاء الأمانة والعمل الطلابي في إفطار الإثنين الماضي، الأخوة جبريل النيل، وإبراهيم عبدالحفيظ، وعطا المنان بخيت، وعبدالقادر محمد زين، وكان من رفقاء تلك الأمانة غير هؤلاء، الأخوان محمد حامد البلة، والشهيد موسي سيد احمد، وصلاح قوش، وأحمد تاجر. وكان قد صادف تخرجي في الجامعات المصرية قرار اتخذته الأمانة العامة للتنظيم، باستيعاب أحد خريجي مصر من الذين لهم علاقة بالمناشط في أمانة الطلاب الاتحادية، لنقل هذه التجربة، وكنت من الذين اهتموا بعمل المناشط المفتوح في مصر، لا سيما معرض الكتاب الذي كنا نقيمه في نادي ناصر في العطلة الصيفية بالسودان، وكذلك أسبوع السودان الثقافي في مصر الذي كنا نستقطب له نجوم السودان في كل مجال، أمثال الطيب محمد الطيب، وفراج الطيب، ومصطفي سند وغيرهم. فكان للبروف إبراهيم ورفقاء الأمانة دور كبير في تقديم رؤي جديدة لعمل المناشط، رسخت في زمن وجيز، وانطلقت وتمددت في عهد شيخ العرب أخي يوسف أحمد يوسف الذي خلفني فيد المكتب، بعد أن تحولت الي أمانة الإعلام مع الأخ مهدي إبراهيم، حيث وجدت نفسي هناك، بعد أن أتيحت لي فرصة في كبري الصحف السودانية آنذاك (الأيام) ولم تتح لغيري إلا الشهيد عبد القادر علي الذي كان رئيسا للمكتب الفني بالصحيفة.
وبروف  إبراهيم رجل (حقاني) من الدرجة الأولي، وأذكر في العام 1983م، كتبت مقالا في صحيفة الأيام عنوانه (مضت ولاية، وجات ولاية) فثار كثير من الإسلاميين لهذا المقال، وغضب بعضهم غضبا شديدا، وكنت قد دافعت عن خيار المشاركة في مايو، وقلت إن القوي الوطنية عندما هاجرت خارج الوطن، وأرادت أن تزيل السلطة بالسلاح أطلق الناس علي المجاهدين اسم (مرتزقة) فكلفت الأمانة بروف إبراهيم بالتحقيق معي ومحاسبتي، وكنت وقتها لا أزال في أمانة الطلاب، فاقتنع البروف بمنطقي وبرأ ساحتي. 
وعندما تحدد موعد زيارة وفد مقدمة مبادرة الشريف زين العابدين الهندي عام 1997م، المكون من الدكتور أحمد بلال عثمان، والبروفيسور علي عثمان محمد صالح للسودان اتفقنا مع الشريف زين العابدين، والدكتور عبدالله سليمان يرحمهما الله أن يكون أول منشط لهم مقابلة بعض الإسلاميين الذين يمكن أن يدعموا المبادرة، ويكون اللقاء في منزل بروف إبراهيم. فحضرت قبل الوفد أحمل خطابا من الشريف للرئيس البشير يخبره فيه بقدوم وفد المبادرة، وبعد أن سلمت الخطاب، أعلنت عن الوفد، وأعلنت الدكتور أحمد بلال رئيسا للوفد بدلا عن بروف علي لبعض الملاحظات، التي أقرها بعد ذلك الشريف، ثم ذهبت لبروف إبراهيم أبلغته بتفاصيل المبادرة، وحدثته عن فكرة اللقاء الذي اقترحناه في منزله، فرحب بذلك، وأقام مائدة عشاء في منزله ثاني يوم لوصول الوفد، وحضرها من الإسلاميين المرحوم الشيخ محمد محمد صادق الكاروري، والمرحوم عبدالله بدري، والدكتور عثمان عبدالوهاب، وخليفة الشيخ، والمرحوم فتحي خليل، ومحجوب عروة، والدكتور أحمد إبراهيم الترابي، والدكتور حسن مكي محمد أحمد، والشهيد محمد طه محمد أحمد، وحضر مع الوفد راعي المبادرة المرحوم الحاج التجاني محمد إبراهيم. 
وأذكر بعد المفاصلة، واشتعال المعركة الإعلامية بين الحزبين الوطني والشعبي، وخروجها عن مسارها الطبيعي، وظهور صحيفة باسم (الزيتونة) تتبع للشعبي، لم أكن أعلم عنها شيئا، وأنا المسؤول عن الإعلام في الحزب، وكان منهجها، غير ما انتهجه في سياستى الإعلامية، استقلت من مسؤولية الإعلام، وشاورت الشيخ الترابي يرحمه الله في إصدار صحيفة وسطية تسعي بين الإسلاميين بالخير، وتجمعهم علي الحد الأدني، فوافق علي ذلك، فذهبت منه مباشرة لبروف ابراهيم، وحدثته بما حدثت به شيخ حسن، فاستحسن البروف الفكرة، ووافق علي مساهمة المؤتمر الوطني فيها، وكلف الأخ اسماعيل مكي بذلك، وكان اسماعيل وقتها مسؤولا عن الجانب الاقتصادي في الحزب، إلا أن أعداء وحدة الإسلاميين عطلوا المشاركة، وقادوا حملة شعواء ضد الصحيفة التي أصدرتها (الأزمنة) ومع ذلك صمدنا ثلاثة عشرة شهرا، رغم الحروب المتنوعة، اصطررنا بعدها للتوقف حتى لا تحرق نيرانهم آخرين هددوهم بالحريق، ولم يكونوا طرفا في المعركة. ونقول كل ذلك بشهادة بروف إبراهيم، نقوله شهادة للتاريخ، نقوله ونعلم أنه لن يقول (ما حصل) لأنه رجل (حقاني) ولا يخشي إلا الله.