الأحد، 17 فبراير 2019

تحقيق:(الوطن) .. تضع الخطاب السياسي في الميزان!!


إستشاري نفسي: لابد أن يبتعد الخطاب السياسي عن الاستفزاز والنقد والتهديد!!

أستاذ جامعي: الرئيس البشير أفكاره مرتبة ويقول ما يعني في غالب خطاباته!!
حسن رزق: الخطاب السياسي لدى غالبية القادة السودانيين عاطفي!!
*يجد الخطاب السياسي الذي يتلوه رئيس الدولة أو أحد قاداتها اهتماماً كبيراً من الشعب ليس في السودان فحسب بل في كافة انحاء العالم، خاصةً  بعد إنتشار مواقع التواصل الإجتماعي التي ساعدت على وصول الخطاب للناس وهم في منازلهم أو في أي مكان وهم بعيدين عن الساحة التي يتم فيها إلقاء الخطاب ، بعض هذه الخطابات يجد إستحساناً من الناس وبالمقابل هنالك ما يثير غضبهم ؛ في الفترة الأخيرة ومع إندلاع الإحتجاجات وإنشغال غالبية الناس بمجريات الأحداث في الساحة السياسية أثارت الكثير من خطابات قادة البلاد غضب الكثيرين وحفيظتهم حتى وصل بهم الأمر إلى تداولها في شكل »نكات« أو »فبركتها« في شكل مقاطع فيديو ساخرة، مما جعل (الوطن) تتساءل هل ضاعت هيبة الخطاب السياسي أم إن لدينا إشكالية في خطابنا السياسي والذي نحاول ايضاً الإشارة إلى مدى أهميته وأثره على الجمهور وأفضل القادة الملقين  للخطاب السياسي وأكثرهم أثراً  وذلك من خلال الأسطر التالية...*

*اسقاطات بعيدة!!*
إستطلعت (الوطن) الشارع العام ولمست عدم استحسان الكثير من الناس بإختلاف فئاتهم العمرية للخطاب السياسي خاصة الخطابات التي تُليت في الفترات الأخيرة كما ذكر في مقدمة الموضوع ويرى البعض أن فيها إستخفاف بعقلياتهم واستهزاء بهم »مما زاد النار« وأشاروا إلى أن لدينا إشكالية كبيرة في الخطاب السياسي كافة . أما بحسب تقدير رئيس لجنة الإعلام بالبرلمان (الطيب مصطفى) فأن أهم ما في الخطاب السياسي هو الصدق، وينبغي أن تكون الجهة المتحدثة صادقة لأنه بمجرد أن تشوه صورته وتظهر بأنها تكذب لا يكون لدى خطابها تأثير على المتلقي، وقال: قضية الصدق مهمة جداً لأننا في فوضى عارمة من جانب الحكومة، ومن جانب المعارضة ومن جانب كل القوى السياسية. ولا يتخذون الصدق كقيمة مفتاحية لتوجيه الخطاب، وينبغي ايضاًً أن يصدر الخطاب بقدر الامكان عن معلومات حقيقية ويكون في هدف محدد ، ولا يطيل صاحب الخطاب الكلام حول الأمر الذي يريد أن يتحدث فيه بالإضافة إلي أهمية ألا يخطب كل منهم بطريقته لان هذا يُخرّب المصداقية ، فينبغي تحديد شخص لا يتجاوزه الآخرين بحيث لا يكون هنالك تناقض بين الخطابات السياسية ، وأدلى »الطيب« برأيه حول خطاب رئيس الجمهورية فقال إن الرئيس نظراً لخبرته الطويلة فقد اكتسب قدرة على توجيه الخطاب للمجموعة التي يحددها في أية منطقة معينة بشكل جيد، ولكن وسائل التواصل الإجتماعي تجاوزت الحدود الجغرافية فما يقال هنا يصل إلى امريكا بعد دقائق وهكذا فإذا تجاوزنا هذه النقطة فإن خطابه جيد بصورة عامة وهو كثيراً ما يتحدث لدى أطراف أخرى غير التي يخاطبها بفهم مختلف ويمكن أن يؤثر تأثيراً سلبياً  وهذه هي مشكلة الخطاب السياسي الذي يوجه لمجموعة في بقعة معينة يمكن جداً أن يخاطب هذه المجموعة ولكن يقيم خطابه اسقاطات في جهات أخرى بعيدة .
*خطابات عنترية!!*
يرى القيادي بالمؤتمر الشعبي (أبوبكر عبدالرازق) أن غالبية القادة السودانيين لا يديرون خطاباتهم من تلقاء الخطة قبل الخط والمسيرة قبل المسير ولا من تلقاء الأهداف والمغازي والحكم والعلل والمقاصد وبالتالي سيكون الخطاب ضد الهدف المفترى بل ويكون أحياناً مضراً ، وتحدث »أبو بكر« عن خطابات قادة الحزب الحاكم (المؤتمر الوطني) والحكومة خاصة وقال إن غالبية خطابهم غير منضبط بالأهداف والغايات ولا بإطار ردة الفعل سلباً أو إيجاباً ولا بمراعات المشاعر الشعبية ولا ردود الأفعال الدولية، والتي يمكن أن تؤدي أحياناً إلي التجريم والذهاب إلى المحكمة الجنائية الدولية، متهماً ولا تراعي الإفرازات التي يمكن أن يترتب عليها؛
 مثال لذلك ردود الأفعال في إستمرار الإحتجاجات الحالية ومواجهة التحدي بالتحديد إزاء الخطابات الغير رشيدة والغير حكيمة من قياداتهم ابتداءًا من الرئيس إلي الفاتح عزالدين وعلي عثمان وكمال معروف، مما أفضى إلى التحدي والتحدي المقابل وأدى إلى إستمرار الإحتجاجات وإراقة كثير من الدماء فضلاً عن الإصابات والضرب والإساءات والإهانة ، وزاد "أبو بكر" إن الخطابات غائبة عن الأهداف والغايات والذي يحدث الأن جزء من مشكلة تاريخية في الخطاب السياسي القائم علي "العنتريات" والتحدي والصراع وردود الأفعال وقلة الحكمة والرشد حتى أيام الأحزاب، وبوجهة نظره إن أفضل ملقي للخطاب السياسي من القادة السودانيين هو الرئيس سوار الذهب، وقال أنه كان إنساناً  رزينآ ومهذبآ لا يخرج منه إلا ما هو خير وطيباً ثم يليه الزعيم الأزهري وكذلك عبود.
*خطاب عاطفي!!*
أما القيادي بحركة الاصلاح الأن (حسن رزق) فيرى أن الخطاب السياسي لدى غالبية القادة السودانيين خطاب عاطفي ولا يستند إلى حقائق ومعلومات ويركز فيه الشخص المخاطب على الإيجابيات أكثر من السلبيات ، التي تصاحب الموضوع ودائماًً ما يكون فيه تقليل من الخصم وتضخيم للذات، ولا يوجد فيه روح الإعتراف بالآخر أو الاعتراف بإيجابياته ومحاولة إيجاد »شماعة لتعليق الفشل عليها« والنظر إلى المصالح الشخصية والحزبية أكثر من المصالح الوطنية والعامة إلا ما ندر، فالمعارضة تنتقد الحكومة ولا ترى فيها خيراً قط ولا نقطة بيضاء في الصفحة السوداء وكذلك الحكومة لا ترى للمعارضة خيراً قط على عكس ما يسير في الدول الديموقراطية الأخرى التي يتم فيها إحترام الآخر مهما قل وزنه، وأضاف »حسن« إن الخطاب عاطفي وليس فيه أمور عقلانية كثيرة واضعين في اعتبارهم أن الجمهور لا يفهم ودائماً ما يكون الخطاب فيه تخويف من الآخر والتمجيد للذات »لا يستطيع أن يأتي لكم بالخير إلا أنا وهكذا« ولكن الجمهور وأع وليس بالغباء الذي يظنون فإذا تم إخباره بأنه لا توجد معاناة ولكنه عاش عدة أعوام ويعرف أن هنالك تقدم أو تأخر ولا يفوته شئ ولكن لان طيأت الكلام يكون بها تهديد لا يستطيع من يعرف الخطاب أن يتصرف خوفاً من العقاب في وظيفته ومعيشته وابناءه فالخطاب »خطاب قادر على مقدور« ونوه »حسن« إلى عدم وجود ندية في الخطاب ووجود قبلية ذهنية أي أن هنالك بعض الجهات مفضلة على الأخرين ويكون خطابها خطاب تمجيد واستقواء واستقطاب لحماية الجهة الموجودة مثال القوات النظامية والذين يختلف خطابهم عن الآخرين وطلباتهم مجابة »مصنع الرجال، حامية الوطن وهكذا« بصورة أدنى منهم الأمن وبصورة أدنى منهم الشرطة وإلي آخره ، أما خطاب الناس عامة ليس بذلك وفيه تهديد ووعيد وبشريات غير حقيقية والخطاب الأن فيه قبلية ذهنية في السودان وحتى الذين يملكون المال والقوة خطابهم يختلف عن الذين لا يملكون شيئاً، وقال »حسن« من أكثر الناس الذين وجدت أن خطابهم معتدل ليسوا من الأسماء الظاهرة ومنهم المحامي أحمد الخير (وزير الخارجية السابق) والذي لا يتحدث عن نفسه البتة ولا ينسب إليها أية إنجاز وإنما ينسبه للآخرين حتى عندما كتب عن الخريجين لم يكتب عنوان كتابه (كفاحي) وإنما سماه (كفاح جيل) .
*استراتيجية الخطاب !!*
من جانبه أوضح استاذ العلوم السياسية د- شوقار البشار) أن الخطاب السياسي يحمل أجندة محددة أو أجندة سياسية أو رؤية سياسية وأحياناً أخلاقية للقائد والزعيم وهذه الأجندة يرسل بها صانع القرار رسالة محددة، فالخطاب السياسي إما مهارة شخصية للزعيم أو الرئيس إما رسالة أو تصريح حرفي للدولة مجسدة فيه، ومضى بالقول إن الخطاب السياسي لديه عناصر قوة أولها قوة الدولة »مدى قوتها وهيبتها«، قوة الزعيم أو الرئيس »قوته أمام شعبه أو مجتمعه ومكانته الاعتبارية« لذلك يمكن القول من ناحية سياسية أن الخطاب يمكن أن يكون عاملاً  لصناعة الوعي لدى المجتمع أو الجمهور المتلقي، وإذا أقمنا مقاربة ما بين خطابات الزعماء أو القادة نجد أن هنالك ما يسمى بالعمق الأخلاقي في الخطاب السياسي أو الالهام أو التحفيز أو الثقة وأحياناً يرسل القائد رسالة محددة يعبر بها عن قيم محددة أما قيم إيمانية بالنسبة له نفسه أو لشكل الدولة إذا كانت لديها رسالة أو إتجاه سياسي تظهر احياناً فيه، ولفت »شوقار« إلي أن تصريحات بعض الزعماء تحمل اتجاهين إما اقليمياً أو أخلاقياً بما يؤمن به القائد أو الزعيم، وأن خطابات البعض تكون موجهة نتيجة لقضية محددة أو أزمة معينة، لذلك يقول علماء السياسة أن هذا الخطاب يكون مبني على قوة القائد وشعبيته وثقة الجمهور فيه ورجاحة عقله أو قدرته القيادية وإيمان الجمهور بالخطاب وتصديقه ويقال أن هذا يعطي مؤشر (للكاريزما) أو جاذبية القائد السياسي، وذكر »شوقار« عدة نماذج لخطابات القادة الجيدة فقال ان لدى جمال عبد الناصر خطابات مؤثرة جداً وهو قائد ملهم وكانت لديه عدد من الخطابات المؤثرة جداً كتب فيها كثيراً وأصبحت جزءاً من خطابات الباحثين وكذلك لدى معمر القذافي طريقته الخاصة، على مستوى العالم وهنالك باراك أوباما وكان نموذجاً للخطاب السياسي الذي لديه (كاريزما) مؤثرة جداً حتى إن الباحثين  ركزوا في قوة البلاغة وقوة الإقناع في الرؤية الاستراتيجية في صناعة القرار في أمريكا،  ولدينا في السودان واحد من النماذج وهو الشاعر والمهندس  ووزير الخارجية ما بعد الإستقلال المحجوب إذ كانت لديه (كاريزما) وخطاباته مؤثرة جداً بالرغم من أنه لم يكن الشخص الأول، والصادق المهدي نموذج لديه مفرداته الخاصة، والرئيس البشير ايضاً ففي مسألة ما كثيراً ما تجد أن أفكاره مرتبة ويقول ما يعني في غالب خطاباته ويكون دائماً مطلعاً  على الحقائق ولديه مقدرة التركيز على الأولويات ووضع الأهداف الجوهرية في خطابه . لذا يمكن القول إن الخلفيات السياسية والخبرة تعتبر عنصراً مهماً جداً في التحكم في سرعة الالقاء ونبرة الصوت وإلي ذلك فخلال »28« عامآ مرت به أزمات كثيرة جداً وهذه الأزمات تساعد كثيراً في طريقة تحديد الإستراتيجية في الخطاب فأصبح لديه (الكاريزما) والجاذبية وأصبح جزء من القادة الذين لديهم إستراتيجية الخطاب السياسي الواضح وكيفية إرسال رسالة الخارج والداخل وكيفية إيصال الرسائل التي تعبر عن بعض المشكلات أو إيجاد حلول لبعض القضايا .
*شعور سالب!!*
الإستشاري النفسي (سلمى جمال) في حديثها حول هذا الموضوع اشارت إلى أن هنالك أشياء لا بد أن تتوفر في الخطاب السياسي أو أي نوع خطاب لمدير أو رئيس أو زعيم قبيلة أو قائد  وهذه الاشياء لابد ان توافق نفسية المتلقي للمعلومات منها الزمان والمكان والوضع النفسي فمثلاً في خطابات الاعياد تكون الروح المعنوية عالية جداً ومستعدة لتقبل أي كلام وبالتالي لابد ان يكون الخطاب  إنساني وديني يتحدث عن المناسبة ويمكن أن تدخل فيه رسالة بسيطة تحوي اشياء مهمة وضرورية، وتابعت ان  الناس في الخطابة بكل أنواعها يكونوا متحفزين لسماع أي آراء والاقتناع بها فالحرص في إلقاء الخطاب ومراعاة الانتشار السالب له مهم جداً لان المتلقي إذا شعر نفسياً أن الخطاب لا يشبه الواقع أو لا يشبه نفسه أو فئته أو مجموعته لن يستمع إليه مجدداً وسيُكون  شعور عدائي تجاه ذاك الخطاب ، والخطاب المباشر هو الذي يجد صدى في نفس المتلقي أي الذي يمس جوهر الاشياء مباشرة والمشاكل بدون تنميق ودبلوماسية أو أي زخرفة، ويفترض ايضاً أن يزيل ملقي الخطاب الفوارق ما بينه وبين المتلقيين وينزل إلى مستواهم مهما علا شأنه ومكانته، وذهبت »سلمي« بالقول: »الكلمة لمن تطلع صعب إنها ترجع تاني« وعندما تجد وقعها في النفس سوا أكان سلباً أو إيجاباً لا تمحى ولا تنسى بسهولة فالكلمة التي تجد صدى جيد في أذن المتلقي في وعيه وإحساسه تجد إستجابة مهما كان نوع الشخص الذي القاها والمطلب الذي يطلبه أما إذا كان وقعها سلبياً وسيئاً  على نفسه ففي هذه الحالة وكأن الشخص وضع حاجزاً  كبيراً جداً ما بينه وبين المتلقيين ويكون عامل الثقة مفقوداً ما بينهم الإثنين، والمستمع وفقاً للفئة والمجموعة والسن ذكي جداً في فهم الخطاب الموجه له وهو يعرف جيداً أن كان لدى ملقي الخطاب مصلحة دفعته لإلقاء هذا الخطاب فيستشف بحسه  الكلمات التي يحملها الخطاب والمعاني والنظريات هل هي وأقعية أو غير واقعية فإذا كانت اشياء خيالية وغير منطقية ولا يعيها العقل الواعي يعرف في هذه اللحظة أنه مخدوع، ونوهت »سلمي« إلي أن الإستماع في الخطابات يكون دائماً في الخمس دقائق الأولي إذا استطاع الملقي خلال هذه الفترة أن يشد إنتباه المستمع سيستمع له حتى النهاية ولكن إذا شعر خلالها ان هذا الخطاب لا يشبهه سينصرف عنه وسيتكون فوراً شعور مضاد تجاه الشخص وشعور سالب تجاه الخطاب نفسه وسيجد عصيان وتمرد لان الزمان غير مناسب والوضع النفسي كذلك بالإضافة إلي أن الخطاب ايآ كان نوعه لابد أن يناسب متلقيه أي أن هنالك خطاب للمسنين وخطاب للشباب وخطاب للنساء وآخر للأطفال كذلك هنالك نوعية خطابات ونوعية ألفاظ العمال، الدكاترة، القوات النظامية كلا على شاكلته ولكن بشكل عام حتى يجد الخطاب صدى لدى المتلقي وفقاً لنفسيته وتركيبته وطبيعته وميوله لابد أن تتوفر فيه أشياء أساسية أولاً : أن يكون بعيداً عن الاستفزاز اياً كان نوعه وبعيداً عن النقد اياً كان نوعه وبعيدآ من التحذير والتهديد لانه في هذا الحالة لن يجد أي نتيجة مرجوة .