الأربعاء، 20 فبراير 2019

مقالات:ظاهرة التسرب في المدارس الأسباب والحلول(1)


   الصدفة وحدها قادتني لمعرفة برنامج الثقافة التربوية الذي أقامته ونفذته وحدة الإرشاد النفسي والسلامة بالمؤسسات التعليمية بولاية الخرطوم بتعاون كبير وتنسيق تام مع جامعة القرآن الكريم ، فقد عاتبتني مرة عتابا رقيقا مديرة وحدة الإرشاد النفسي والسلامة بوزارة التربية والتعليم بولاية الخرطوم عن عدم اهتمامي ببرنامج الثقافة التربوية وتغطية فعالياته والتوثيق له، فأخبرتها صادقا بأنني لا علم لي به، وبعد أن جمعت حوله بعض المعلومات قمت بصياغة خبرين منفصلين نشرا تباعا ، الأول منهما عن كل ما يدور حول هذا البرنامج الخلوق ، وثانيهما عن إقامة هذا البرنامج في شهره السابع ، وقد تشرفت بحضوره وسعدت بفقراته ودقة تنظيمه ، وقد هالتني المعلومات الثرة التي تم التداول والنقاش حولها.
هذا البرنامج قد نظم بصورة شهرية لعدد مائة معلمة من جميع محليات ولاية الخرطوم ، وفيه يتم تكليف معلمات كل محلية بعرض كتاب أو اختيار موضوع وإجراء البحث العلمي حوله ، وقراءته وطرحه على كافة معلمات المحليات الأخرى شهريا، وبعد ذلك يتم التحاور والنقاش الثر والمثمر والتداول المفيد المفضي لمعرفة كل جوانبه وصولا لنتائجه ومخرجاته وتوصياته، ومما أحزنني بعض الشئ أنني لم احظ بحضور استعراض كتب وبحوث معلمات ست محليات، ولكني قد كنت موفقا ومحظوظا لأبعد حد حينما حضرت وشهدت ما قامت به معلمات محلية أمبدة العالمات الرائعات اللائي سأظل أباهي بهن مدى الدهر وأفاخر بعلمهن ما دامت السموات والأرض لأنهن قد أثبتن بالدليل القاطع والبرهان الساطع أن هذا البرنامج التثقيفي التربوي الحيوي قد أتى اكله وأصابه النجاح الباهر عبر البحث العلمي الدقيق الذي قمن به عن مشكلة وقضية وظاهرة التسرب الدراسي ، والذي أكد على أن هذا البرنامج قد نجح بنسبة مائة بالمائة وقد حقق كل أهدافه المنشودة وقطفت ثماره وتنزلت فوائده ، مما يجعلنا نطالب بالصوت العالي باستمراريته وتطوره وأن تتبناه وترعاه جهة من الجهات وأخص شركة زين للاتصالات في هذا الخصوص لأنها تهتم كثيرا بأمر الكتب والمكتبات وأتمنى أن تنافسها في ذلك بقية الشركات، وهو ما سنسعى له في الفترة القادمة  بإذن الله تعالى.
لقد قدمت معلمات محلية أمبدة سفرا علميا شاملا ومتكاملا عن ظاهرة التسرب في المدارس لم يتركن فيه شاردة ولا واردة وكانت الجوانب العلمية من مصادرها المتعددة واضحة في هذا البحث العلمي القيم مما يدل على الجهد الكبير الذي بذل فيه وصدق النوايا والإخلاص في تقديم مادة علمية مفيدة تعين جهات الاختصاص والمهتمين في هذا الجانب على معرفة أسباب هذه الظاهرة المؤرقة والسعي الجاد لإيجاد الحلول الناجعة لها، وبسبب كل ذلك قررت أن أنشر هذا البحث القيم والسفر الفريد على حلقات حتى يطلع عليه ويدرك كل تفاصيله جميع المعلمين والمعلمات والجهات الرسمية والمسؤولة في الدولة وولاية الخرطوم ، وقبل أن أبدأ ذلك لابد لي من أشيد وأباهي واعتز بكل معلمات محليات ولاية الخرطوم لمحاولاتهن الطيبة في معالجة كثير من القضايا المؤرقة والمعيقة لسير العملية التربوية والتعليمية عبر برنامج الثقافة التربوية.
كما لابد من التنويه والفخر بأن وراء فكرة هذا البرنامج الدكتور أحمد الفرجابي الذي قاد مبادرة هذا البرنامج ورعاها حتى استوى عودها، وكذلك الأستاذ محمد الحسن الرضي من جامعة القرآن الكريم الذي قام بالتنسيق وتولى تتفيذ البرنامج بصورة مرتبة وطريقة منظمة وأنيقة وصرف عليه صرف من لا يخشى الققر، كما لا يفوتني أيضا أن أحي وأثني على الدكتورة إخلاص محمد عباس مديرة وحدة الإرشاد النفسي والسلامة بوزارة التربية والتعليم بولاية الخرطوم لحماسها وتفانيها لإنجاح فعاليات هذا البرنامج وتهيئة المكان له.
  وأبدأ في نشر هذا البحث القيم لمعلمات أمبدة عبر هذه الحلقة الأولى التي ستتبعها حلقات أخرى بإذن الله تعالى حتى يقف الجميع على كل صغيرة وكبيرة عن التسرب الدراسي، إذ تقول مقدمة البحث( التسرب الدراسي ظاهرة من الظواهر السلبية التي ما فتئت تعيق مساعي وجهود وزارة التربية والتعليم وتقف في وجه السياسة المنتهجة للقضاء على الأمية والحد من خطره، فهو مشكلة عصيبة تجاه المجتمع والمدرسة على وجه الخصوص نظرا لكونها تمس فئة كبيرة من المتمدرسين ذوي الأعمار الصغيرة سنويا ليجدوا أنفسهم في الشوارع فريسة لكل الزوابع والعواصف المهلكة دون أي مؤهل أو مستوى مقبول يسمح لهم بالاندماج الفعلي في المجتمع الذي ينتمون له).
  وتستمر مقدمة البحث ( وتعتبر ظاهرة التسرب من المشكلات الرئيسة التي تعيق سير العملية التعليمية والتربوية في كثير من دول العالم خاصة بلدان العالم الثالث ، كما يعد التسرب أيضا في أي بلد مظهرا من مظاهر الإهدار التربوي ، وهو بالإضافة إلى ذلك يعود إلى جملة من الآثار السالبة على كل من المتسرب والمجتمع المحلي ، فالمتسرب يتحول إلى مواطن تغلب عليه الأمية ويصبح عضوا غير منتج في بيئته مما يقلل من مستوى طموحاته ويضعف من مستوى مشاركاته في بناء المجتمع.
وختمت المقدمة بأن( فعالية أي منظومة تربوية في أي دولة مهما كان مستوى تقدمها وتطورها مرتبط بمدى قدراتها على مواجهة الإخفاق المدرسي الذي يعد عاملا أساسيا من عوامل التسرب المدرسي وأحد الأسباب الرئيسية العاملة على إهدار المخططات التربوية وضياع الكثير من الاعتمادات المالية دون الوصول إلى الأهداف المرصودة والمنشودة.
       وعن أسباب اختيار الموضوع تحدثت معلمات أمبدة الجليلات الوفيات عن الدوافع الذاتية والموضوعية لهذا البحث الرائع بأن اهتمامهن بذلك ناتج و نابع من ( تفشي الظاهرة في الوسط التربوي، واستفحالها من سنة لأخرى، وكذلك تزايد أعداد المتسربين من المدرسة، مما أثار فيهن الرغبة في تشخيص الأسباب الدافعة إلى انتشارها ، وبالتالي وضع خطة علاجية للحد من استفحالها ، أو على الأقل التخفيف من وطأتها على ناشئتنا ومجتمعنا) وأيضا ( من حيث أنه موضوع تربوي يدخل في صلب العملية التعليمية إذ يساهم في إيقاف نزيف التدهور المعرفي لدى الناشئة)، وكذلك ( من الناحية الاجتماعية يؤدي التسرب الدراسي إلى ارتباك في بنية المجتمع حيث يساهم في تفاقم ظاهرة البطالة ) ومن الدوافع أيضا ( الرغبة في الوقوف على أسباب وعوامل هذه الظاهرة التي لاحظناها في الوسط التربوي).
وعن معاني التسرب المتباينة ذكر البحث ( أن التسرب في اللغة من تسرب تسربا، ويقال تسرب أي دخل خفية مثل تسرب الرجل في البلاد أي دخلها خفية وفي سرية،والسارب هو الهائم على وجهه على غير هدى، أما المتسرب في الاصطلاح فهنالك عدة تعريفات تختلف من قطر لآخر ومن مؤسسة لأخرى ، فقد يقصد به ترك الطالب للدراسة قبل اتمامها ، أو ترك الدراسة لفترات أو التأخر من المدرسة ) وبخصوص تعريف التسرب ذكر بحثهن( وحين نريد أن نحدد مفهوم التسرب من غير الممكن الوقوف على تعريف دقيق وكامل لمفهوم التسرب المدرسي لأن صعوبة الأمر ترجع في الأساس إلى كون هذه الظاهرة التي لا تواجهها مدارس السودان فقط إضافة إلى تشعب الجذور وتعدد الأسباب وتنوع مظاهره وكثرة طوائفه فضلا عن وجهات النظر المختلفة التي تقدم بها الباحثون في هذا الموضوع).
وبمعنى شامل ( فالتسرب هو كل طالب يترك المدرسة لأي سبب من الأسباب قبل نهاية المرحلة التعليمية ، أو ترك مجموعة من الطلاب المدرسة بعد أن تم قبولهم وأخذوا مقاعدهم في المدارس ، كما يعرف التسرب الدراسي بأنه انقطاع التلميذ عن الدراسة قبل إنهاء المرحلة التعليمية الإلزامية).
وعرج البحث على بعض تعريفات الجهات الرسمية ( وعرفت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في العام 1973 م التسرب بأنه صورة من صور الفقر التربوي في المجال التعليمي ، وترك الدراسة في إحدى مراحلها المختلفة) ، وقد عرفت منظمة اليونسيف التسرب عام 1992 م ( بعدم إلحاق الأطفال الذين هم في عمر التعليم بالمدرسة أو تركها دون إكمال المرحلة التعليمية التي يدرس بها بنجاح ، سواء كان ذلك برغبتهم أو نتيجة لعوامل أخرى ، وكذلك عدم المواظبة على الدوام لعام أو أكثر) ، كما يتخذ التسرب أشكالا متعددة منها التسرب الفكري( الشرود الذهني) من جو الحصة والتأخر الصباحي عن المدرسة والغياب الجزئي أو الكلي عن المادة الدراسية في المدرسة) ، نواصل ي نشر جوانب هذا البحث العلمي القيم و المهم في الحلقة الثانية منه بإذن الله تعالى.