اللحظة لتي حزمت فيها حقائبي في بلاد العم سام كنت قد أجمعت أمري على أننا إن لم نفكر في الإقتصاد أكثر من السياسة لن تكون لدينا سياسة ولا دين و لا إنسانية ولا فن ولا كورة، ولا حتي »رجولة«!، ولتكن البداية من حيث انتهى الآخرون في الجوار الأفريقي - الكتل والاحلاف والمجموعات والتجارب الناهضة - بدلا من إعادة اختراع العجلة! وبحمد الله قدمت ورقة »دور الإعلام في تأسيس المنطقة التجارية الأفريقية الحرة« في داكار. والمنطقة أو AfCFTA هي الطريق الأوحد لدمج الكتل الأفريقية كلها، خاصة الناجحة والمهيئة لذلك.
إلى اتكاءة، وضريبة الونسة والتنوير بالقصص بعد العودة من ساحل الأطلنطي، إذ كانت الأسئلة عما يدور فيه تنتظرنا في كل مجلس. كنت في مكان الديموقراطية وحقوق الإنسان فيه مصنوعة بتقانة عالية، وبهرج جميل، والقضايا مسروقة بذكاء مثير للإعجاب، ولتقريب الفهم فان حرية الاختيار هنالك متوفرة ولكنها مثل من يطوف بك أرجاء فندق فخم وحديقته الغناء وحوض السباحة لتختار موقع مائدة الطعام بنفسك، ويعجبك حديثه وأريحيته لتكتشف لاحقا أنه لم يخيرك فيما تأكل و«هو الأهم« ولكن أين تأكل وهو »الأقل أهمية«! أو مثل خيارات السجين في فسحة السخرة، إما أن يخدم في منزل المأمور ويطعم الدجاج، أو يكنس الطريق العام، أو يذهب للغابة لالتقاط الحطب. لو منحت إدارة السجن النزلاء فرصة التصويت والتعبير عن آرائهم في هذه الخيارات تكون قد مارست عين الديموقراطية التي وجدتها في أمريكا. حيث الخلاف تركته هناك علي سبيل المثال في قضية السلاح المنتشر بين ضرورة تفتيش السجل الجنائي قبل شراء السلاح أو ضرورة تشديد جرائم العنف المسلح بعد استخدام السلاح، لكن جمع السلاح لن يتم طرحه بغرض »تعديل الدستور« ولا أحد يحلم بذلك، لأن من يصنع السلاح ويبيعه هم من يمولون النواب في حملاتهم، والنواب ومعهم محترفو السياسة والإعلام هم من يفرغون القضية من محتواها ويفبركون خيارات الرأي العام والتصويت وهم بارعون جدا في إمتاع الجماهير بحقوقها الديموقراطية. وهكذا الكثير والمثير في المحبس الديموقراطي الكبير الجميل الوثير. ومن باب الفضول أحصيت خلال عامين بضعا وثلاثين نموذجا لقضايا مثل هذه فرغت من مضمونها ليتم ادخالها في الأوكازيون السياسي، أما كيف يتم هذا وبأي ذكاء وحيلة يساق الناس، فهو أمر بذكرني بكتب »الكباريت في اخراج العفاريت« و«أسرار الطلاسم« وغيرها.
نحن في دول العالم الثالث، فاشلون في حقيقة الأمر ليس في ممارسة الديموقراطية ولكن في صناعة الديموقراطية، إذ بامكان النخب عندنا التوافق علي تأسيس »تحالف السلطة والمال« وانتاج سيستم مأمون الممارسة ومحسوب المعارك مثل ما يحدث هناك، لكنهم مفتونون بالبهرج والاوكازيون وليس فن صناعة الديموقراطية.
إلى الفولة عبر طريق بارا الأبيض
إلى غرب كردفان حيث نحمل الخطط المتفق عليها بين الأمم المتحدة والحكومة، وتحديدا بين يونسيف والمجلس القومي لرعاية الطفولة، حصاد نقاش ومباحثات وتفاهمات وتعاون كان للقوات المسلحة السودانية فيها دور كبير لأن الموضوع هو حماية الأطفال من النزاعات المسلحة وإيقاف إشراكهم فيها. وهو عين المطلوب الآن بعد حلول السلام وانحسار النزاعات، علاج الجيل القادم من الآثار المقيتة وضمان عدم توريثه الثآرات.
الحديث عن الحرب يطول، في غرب كردفان وحدها 32 ألف يتيم و 8 ألف أرملة، اللهم خذ بأيديهم وأطرح البركة في مبادرة »أنا كافل« الولائية التي بدأت أوقافها ومبانيها تدر عوائد للمستحقين، وفي مال كل من تبرع للأيتام مباشرة، وفي هذا المجتمع الكردفاني الجميل الأصيل الذي يردد »الشجرة أكان وقعت بتتاكا على رفيقتها«.
في الرحلة الميدانية إلي غرب كردفان بدأ وفد المجلس القومي لرعاية الطفولة بمشاركة خبراء يونسيف مهمته بغرض إكمال المشورات المجتمعية مع الأماكن المختارة وكانت هنالك ورشة عمل نفذها المجلس في بداية يناير بالعودة للمجتمع وقياداته وأجهزته التنفيذية. العمل مؤسسي تماما إذ توجد مجالس ولائية لحماية الطفولة في كل ولاية، تنسق مع المجلس القومي، وتوجد لجنة فيها كل القوات النظامية الوزارات المختصة في الولايات كما في العاصمة القوية، وتوجد مكاتب يونيسيف في الولايات وفي العاصمة وتنسيقها علي هذه المستويات الحكومية ممتاز للغاية، ولذلك امتدحت الأستاذة سعاد الطاهر عبد العال الأمين العام للمجلس دور اللجان الفنية الولائية في انجاح جهود المجلس القومي واللجنة القومية. وقالت سعاد لولا هذا التنسيق المحكم و التعاون المستمر لما استطاع السودان الخروج من القائمة السوداء وهو الآن يتأهل لتدشين الحملة القومية الإعلامية لحماية الأطفال من النزاعات المسلحة لتكون حملة مرجعية للإقليم وأفريقيا. هذه النقطة بالذات هي مربط الفرس وهي ما يجب ربطه بالإعلام الأفريقي المنصف للسودان. وتشارك في الحملة الخبيرة الأممية "باتريشا ردي" من اليونسيف ومنحناها لقب »بت الرضي« تسهيلا للعمد المشايخ واللجان الشبابية في غرب كردفان في تذكر اسمها، وهي "أمريكية آيرلندية زنجبارية" قضت عمرا طويلا في أفريقيا، وقد قبلت اللقب واعجبتها السودنة وما زلت مطالبا بخروف سماية. بت الرضي كانت قد عملت في السودان من قبل في دارفور كما شاركت بفاعلية في حملة "سليمة" و التي اعتمدها الاتحاد الافريقي كتجربة مرجعية تؤهل السودان لقيادة التغيير في القارة. الف مبروك، فالسودان ينتقل مجددا من مرحلة "الشخص الذي يتلقى العلاج إلى مرحلة الطبيب وصاحب التجربة الذي يصف الدواء للقارة".
مهمة المشورة الإجتماعية شمل جدولها المتواضع محليات الفولة و النهود و إداريات الفردوس وشق يحي والجمعانية وأولاد صبيح والدبب، وبجانب هذا العمل الميداني الذي نفذه المجلس الولائي أحمل معي القضية في القمة الأفريقية في أديس أبابا في فبراير الجاري لتكوين السند الإعلامي الأفريقي للحملة القومية لحماية الأطفال من النزاعات.
تقول الأمين العام لمجلس الطفولة بولاية غرب كردفان الأستاذة فاطمة امين أن استقرار الأحوال الأمنية بالولاية وانحسار النزاعات انجاز كبير لانسان الولاية ولكن الحفاظ على السلام تحدي أكبر ولا يتم انجازه إلا بعلاج وتحصين الجيل المتأثر بالنزاعات من آثارها، وتضيف فاطمة أن المهمة الميدانية نموذج ممتاز لعمل تعاوني ومجتمعي فريد من نوعه بين حكومة السودان و يونيسيف والعديد من الشركاء في المجتمع.
الأمين العام للمجلس القومي للطفولة سعاد عبد العال حالفها النجاح والتوفيق في عدة انجازات غير الخروج من القائمة السوداء وتدشين حملة سليمة لإيقاف تشويه البنات، فقد نجحت أيضا في تمرير قرار السودان مقرا للمفوضية الأفريقية لحقوق الطفل إلي مرحلته النهائية، لولا أن السودان تبرع به في آخر لحظة لمملكة ليسيتو، كنت في بلاد العم سام حينها وجائني الخبر الصاعق ولم اعرف السبب الحقيقي حتى الآن، وقيل لي أن السودان بادلها بمفوضية أخرى للمعادن ولكن لم يكن هذا حقيقيا، لأن السودان فقد هذه وتلك رغم أهليته.
................
في الحلقات المقبلة:
هل سمعتم بـ "بلطي الخلا" أو "سمك الوادي"، سد السنوط 45 دقيقة من الفولة، بركة من السمك في بادية كردفان.
طريق بارا والكهرباء حديث كل مجلس وتوقع دخول معاصر الزيوت والصناعات التحويلية.
وداعا مثلث العطش "برمودا السودان" ومرحبا مشروع القرن على حوض النهود الجوفي.
شاي الكلول، أو الكنتوش بلغة الوسط، رائحة "القنانة" مع المغلي، تختلف المسميات بين النيل والغرب.
تفنيد مقال نيويورك تايمز ومبالغة 35 ألف طفل سوداني في اليمن وذكريات الجلسة التي نظمناها للبروف غندور داخل المقر التاريخي للصحيفة.